أقدار الله في الخلق..!
كوثر العزاوي ||

حين تضيق بنا الطرق، ويشتدّ وجع الانتظار، يهمس القدر باسم الله في أعماقنا: «اصبر، فكلّ ما يجري إنما يجري لخيرٍ لا تراه الآن.»
تلك هي سنّة الله في خلقه، أن يُخبّئ وراء كلّ محنةٍ مِنْحة، ووراء كلّ ألمٍ بابَ رحمةٍ يُنتظَر أن يُفتح.
قد تمضي الأقدار في ظاهرها غامضة معقّدة، لكنها في باطنها رحيمة صريحة، تُهذّب النفوس، وتوقِظ القلوب، وتُعيد الإنسان إلى أصل فطرته، حين يدرك أن التدبير بيد الله وحده.
وما أعجبها الأقدار، تأتي أحيانًا على غير ما نشتهي، لكنها تأخذنا باتجاه مايصلِحنا، فتهبَنا سكينة شفيقة، وخبرة لبيبة، ويقينًا تعزّزهُ التجارب التي تمرّ غالبًا على لهيب الابتلاء.
لذا، فإنّ في تنوّع الأقدار حكمة، حين يوز؟عها الباري”عزوجل” بين عباده بلطف وعدل، فلا يتحسّسها إلّا من أبصر بعين القلب.
مثلًا..جعل الباري سبحانه في الغِنى اختبارًا، كما جعل في الفقر رحمة، وجعل في المرض تطهيرًا، كما جعل في العافية شكرًا، وجعل في الحرمان عطفًا، كما جعل في الاكتفاء حمْدًا وثناءً، وهكذا ليبقى الإنسان في كلّ حالٍ على صلةٍ بخالقهِ، لا يزيغ عن درب العبوديّة له سبحانه مهما تغيّرت فصول الحياة.
فلو تساوت الأقدار، لما تمايزت القلوب، ولما عُرف الصابر من الجازع، ولا الشاكر من الغافل، ولا الجاحد من المُمتَن. كما إنّ في اختلاف الأقدار سرّ التوازن الإلهي، الذي يُبقي الكون في حالة عبادة وتسليم دائمين، فلا يخرج شيء عن مشيئة الله “عزوجل”
ولعلّ أجزلَ النّعم “نعمة العقل” ولولا هذه الجوهرة النفيسة، لما هدأت جوانح العبد عند الهزائز ليبقى وقورًا مهابًا، فلو تأمّلنا ماجاء في ترتيب جواهر البحار: عن الصادق من آل محمد “عليه السلام” لزدنا إيمانًا وتسليمًا، وهذا قوله:
“إنّ اللهَ عزّ وجلّ يبتلي المؤمن بكلّ بليّة، ويُميتهُ بكلّ مِيتة، ولا يبتليهِ بذهاب عقله، أمَا ترى أيّوب كيف سلّط الله إبليس على ماله وعلى ولده وعلى أهله، وعلى كلّ شيء منه، ولم يسلّط على عقله؟ ترك له ليوحّد الله به”!.
يقول المفسرون معنى «ولا يبتليه بذهاب عقله»، لأنّ فائدة الابتلاء، هو التصبّر والتذكّر والرضا، واستشعار رحمة الله تعالى، وفي ذهاب العقل لايصل المؤمن الى فهم فلسفة الابتلاء فيجزع وينهار.
لذا فإنّا نرى كثيرًا من صلحاء المؤمنين، يُبتَلون في أواخر العمر بتسلّط الأمراض على جميع أعضائهم وقواهم سوى العقل.
فما أجمل أن يسكن المؤمن ظلال الرضا، فيرى في كلّ قدرٍ رسالة، وفي كلّ سقمٍ وعثرةٍ لطفًا خفيًّا، وفي كلّ تأخيرٍ وعدًا مؤجّلًا بالخير.
وحينما يطمئن القلب إلى عدل الله في قضائه، يهدأ ضجيج الألم، وتخفت شكوى النفس.
وهذه رحلة وجود الخلق مع الأقدار، فليس في الوجود صدفة، ولا في رحلة الإنسان عَبث، إنّما هي مقامات يسوقنا الله عِبرها للتمحيص كي نكتشف ضعفنا أمام قدرته، وعجزنا أمام عظمة تدبيره، ونقرُّ بأنّه الخالق المنعِم!.
تلك هي الأقدار، لا تُقاس بما نرى، بل بما يُثمرهُ الصبر من نورٍ في القلب، وما تخلّفهُ التجارب من يقينٍ يزداد رسوخًا، كلّما اشتدّ البلاء وتعدّد نوعه، لأنّ الله لا يُقدّر إلّا ما فيه صلاح عبادهِ وإن خفيَ وجه الصلاح عنهم، وتلك ثمار الرضا وجمال التسليم، التي لايتذوق حلوَ طَعمها إلّا مَن تجرّع مذاق مرارتها عند الشدائد، ليبقى هدف العبد الصالح هو القرب من محضر الله في السراء والضراء وتبقى غايتهُ الفوز برضوانه.
٨-جمادي الآخر-١٤٤٧هـ
٣٠-تشرين الثاني-٢٠٢٥م




