الخميس - 14 مايو 2026
منذ 6 أشهر
الخميس - 14 مايو 2026

كوثر العزاوي ||

قال الإمام أمـير المـؤمـنين عـلـيّ “عليه السلام” : {وَنَاظرُ قَلْـبِ اللَّبِيبِ بِـهِ يُـبْصِرُ أَمَـدَهُ ، وَيَـعْـرِفُ غَـوْرَهُ وَنَـجْــدَهُ.} نـهـج الـبلاغـة: الخطبـة ١٥٤

ومعنى القول: ليس العاقل مَن حفظ الحقائق عن ظهر قلب، وأجاد في بيانها وتفاصيلها، وكذا ليس مَن قرأ وتابع ونقَدَ واستنتج هو العاقل، وإنما العاقل اللبيب من استفاد مـن التجارب وانتفع بكلّ مايرى ويسمـع، ثم يعرف الى أين ينتهي به الطريق الذي يسلكهُ دون أن تلحقه تبِعة!

وبعبارة أخرى: أنّ العاقل مَن يملك القدرة على التمييز بعين البصيرة، والعمل بما يعلَم “وَيَعْـرِفُ غَوْرَهُ وَنَجْـدَهُ” أي: يعرف السرائر والبواطن بمقدار مايملك من البصيرة، ولاتخدعه المظاهر والكواذب.

فقد ورد عن النبي الأكرم “صلى الله عليه وآله” ما مؤدّاه: {إنّ من يزداد علمهُ ولا يزداد هُداه ، فانّ علمَهُ لا يزيدُه إلا ابتعادًا عن الله “عزوجل”.

وذلك لانّ الأصل في طلب العلم والتزود بالمعرفة، هو الوصول إلى القرب من محضر القدس جلّ جلاله عبر خدمة المجتمع وقضاء حوائج الناس، والتفكير الدائم في التغيير نحو الأفضل، فضلًا عن اجتناب الوقوع في فخاخ الشبهات والإشكاليات المتنوعة في الحياة.

فقد يوحي إلى الإنسان عقلُهُ القاصر في لحظة وسوسة من الشيطان: “أنّه كلما زاد علمه، وزاد مُريدُوه زاد مقدارُه، أو كلما عَلا جاهه وارتفعت منزلته ضمن منزلته عند الله!

عندئذ يظنّ هذا الأنسان أنّهُ مخوَّل، يقول مايقول ويفعل مايفعل، ويُفتي دون عِلم، ويقرر حُكمًا بلا خشية أو وَجل لنظرة الله إليه! فتراهُ يعيش الزهو ويُكثِر من الأدوات التي تقيّدهُ باتجاه الذات والأنا، ويصرف جُلّ اهتمامه للنفس والدنيا، مندفِعًا بلا رؤية ولارويّة.

ويمضي في سكرتهِ غافلًا عن نفسه، قد أُركسَ في الهوى حتى أصبح عبدًا منقادًا، إذ جهِل وتوهّم أنه عبدًا لله وحده وحسب! فانبرى يعبث في مقدرات الناس، يروّع تارة ويصنع الفوضى تارة أخرى، كأنهُ وحاشيتهُ كِلابًا مسعورة لا تَهاب ولاترعَوي، بل سارحة في غيّها!

فما ذُكر في مضمون القول، ليس ضربًا من الخيال، بل واقعًا له مصداق في كتاب الله “عزوجل” وكيف يحذّر من خطر الهوى وحبّ الدنيا، خطر يهدّد حتى العلماء ومَن هم على درجة من التقوى، فما بالك بِمَن ركِبه الهوى وتردّى في الجهل واستحوذ عليه الشيطان.

وما “بلعم بن باعورا” سوى تذكرة ساقه القرآن مصداقًا، فقد كان عالِمًا يملك الاسم الأعظم، فلم ينتفع بما آتاه الله من العلم والمعرفة ولم يثبت على الهدى والرشاد في المعتقد والسلوك، فجعله الله مثلًا لكل انسانٍ يؤثرُ هواهُ على هدى الله ويجحدُ فضله وما آتاه،

{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ* وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾الأعراف ١٧٥-١٧٦

العبرة: أنّ الإنسان المؤمن كما أنّه مدعوّ لمعرفة الله تعالى وأخلاقهِ ليتخلّق بها، كذلك هو مدعوّ لمعرفة عدوّهِ الشيطان الرجيم ليبتعد عن وساوسهِ ومكرهِ، خشية الوقوع في مصائده!.

وقد يتجلّى الشيطان في كلّ مخلوق مؤذٍ مُغرٍ طاغٍ متمرّد، إنسانًا كان أم غير إنسان، فما على العاقل اللبيب إلّا أن يحذر الشيطان الذي غالبًا مايخدع الانسان باتّباعهُ خطوة خطوة، وإعطاء السموم جرعة فجرعة، وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة بصريح قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾.

فعبارة ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ قد تشير إلى مسألة تربوية دقيقة وخطيرة، سيما ونحن في زمن الفتن التي وصفتها الروايات كأنها قِطع الليل المظلم رغم وضوح الرؤية لما يجري من فوضى المجتمع وصخب رعاع المرحلة،
لذا ينبغي الحذر واليقظة، عِبر أمور تساعد على مجابهة الشيطان ومعرفة خططه، من خلال التأمّل في كتاب الله، وماجاء في وصايا العترة الطاهرة، ونصائح الفقهاء والعلماء في وقتنا الحاضر.

٧-جمادي الآخر-١٤٤٧هـ
٢٩-تشرين الثاني-٢٠٢٥م