الخميس - 10 سبتمبر 2026

القيادة الإيرانية وحرب الاثني عشر يوماً.. قراءة تحليلية في السلوك الاستراتيجي..!

منذ 10 أشهر
الخميس - 10 سبتمبر 2026

رياض البغدادي ||

تمثّل المواجهة التي وقعت في يونيو/حزيران 2025 بين إيران والتحالف الأميركي–الإسرائيلي، والمعروفة إعلامياً بـ”حرب الاثني عشر يوماً”، محطة بارزة في مسار الصراع الإقليمي، ورغم طابعها العسكري، فقد حملت ملامح عملية مركّبة استهدفت إحداث اختلال في بنية السلطة داخل إيران أكثر مما استهدفت خوض حرب تقليدية واسعة.

لقد شكّلت الضربة الأولى، التي استهدفت مواقع حساسة في العاصمة طهران وأدّت إلى مقتل عدد من كوادر القيادة، اختباراً مباشراً لقدرة النظام على امتصاص الصدمة، وتبيّن من مسار الأحداث أن القيادة الإيرانية استطاعت التعامل مع الضربة ضمن إطار من الانضباط المؤسسي، ما ساعدها على احتواء تداعياتها ومنع حدوث فراغ في مراكز القرار.

يُظهر تحليل الحدث أن الغارة الافتتاحية اعتمدت على مفهوم “النزع القيادي”، وهو أسلوب يهدف إلى إرباك القيادة العليا وشلّ قدرتها على اتخاذ القرار، بما يفتح المجال أمام تفكك داخلي أو تدهور تدريجي في تماسك النظام، وبحسب أنماط سلوك الدول في الأزمات الكبرى، فإن ردود الفعل الاندفاعية غالباً ما تُسهم في توسيع نطاق الصراع وفي تحقيق أهداف الخصم، غير أن القيادة الإيرانية تجنّبت هذا المسار، واعتمدت بدلاً منه مقاربة أكثر حذراً تقوم على تقدير المخاطر وتحديد أولويات الرد.

وقد اتسم الرد الإيراني، وفق هذا الإطار، بقدر من الانضباط الاستراتيجي الذي حافظ على قدرة الردع دون الانجرار إلى تصعيد شامل، فقد ركزت العمليات الإيرانية على أهداف محدودة الغاية، مع مراعاة عدم تجاوز عتبات قد تستدعي تدخلاً دولياً واسعاً أو تؤدي إلى توسيع دائرة الصراع بصورة غير محسوبة، وهذا السلوك يشير إلى أن القيادة كانت واعية لحدود القوة المتاحة ولطبيعة البيئة الإقليمية المعقدة.

كما عمل النظام على توظيف الهجوم لإعادة تأكيد تماسك الجبهة الداخلية وإظهار مرونة الهيكل القيادي، بما في ذلك القدرة على إدارة الظروف الطارئة دون تعطّل في الوظائف الأساسية، ويعكس هذا الجانب وجود بنية تنظيمية قادرة على الاستمرار رغم الخسائر في القيادات العليا، وهو عنصر يُعدّ مركزياً في استقرار الأنظمة السياسية أثناء الأزمات.

من جانب آخر، مثّل التحكم في السردية الإعلامية والسياسية عنصراً مكملاً في إدارة الأزمة، إذ سعت القيادة إلى تحويل الحدث من محاولة لإضعاف النظام إلى دليل على قدرته على الصمود والتعامل مع السيناريوهات المعقدة، وقد أسهم هذا النهج في تقليل الأثر النفسي والسياسي الذي كان يُعوَّل عليه لإحداث اضطراب داخلي.

بناءً على ما سبق، يمكن القول إن سلوك القيادة الإيرانية خلال “حرب الاثني عشر يوماً” قدّم نموذجاً لتطبيق الانضباط الاستراتيجي في سياق مواجهات عالية المخاطر، فقد استطاعت القيادة توظيف أدوات القوة المتاحة ضمن حدود مدروسة، مع الحفاظ على استمرارية عمل المؤسسات وتجنب الانزلاق إلى مسارات قد تُضعف الدولة على المدى الطويل.

وتشير هذه التجربة إلى أن الأنظمة السياسية التي تمتلك هياكل قيادية متماسكة واستعدادات مؤسسية واضحة تكون أكثر قدرة على الصمود في حروب الجيل الرابع، التي تستهدف البنية القيادية للدولة وتعمل على زعزعة استقرارها من الداخل.