الخميس - 14 مايو 2026

منظومة الحكم.. بين معالجة الأخطاء وإعادة تدويرها..!

منذ 6 أشهر
الخميس - 14 مايو 2026

عادل الجبوري ||

تقوم فكرة النظام البرلماني على التنافس الحزبي عبر صناديق الاقتراع، أما بين حزبين رئيسين كبيرين، كما هو الحال في بريطانيا، أو بين مجموعة أحزاب متعددة تتبنى مناهج وأفكارا وبرامج مختلفة، تمتد من اليمين مرورا بالوسط إلى اليسار، كما هو الحال في العديد من البلدان الاوروبية وغير الاوروبية، مثل إيطاليا وهولندا والسويد وبلجيكا والدانمارك وكندا واليابان.

وقد قطعت تجارب الدول المشار اليها ومثيلاتها شوطا طويلا حتى بلغت مرحلة النضوج والتكامل النسبي والاستقرار السياسي، خلافا لتجارب دول عديدة في العالم الثالث، ومنه العالم العربي، اذ إنها اما بحكم عمرها الزمني القصير نسبيا، أو ارتباطا بطبيعة النظم الديكتاتورية الاستبدادية، ملكية كانت أم جمهورية أم اميرية، لم تبلغ بعد مرحلة التكامل والنضوج والاستقرار المطلوب.

ربما كانت التجربة السياسية العراقية الديمقراطية التي انبثقت عام 2003، على انقاض حقبة طويلة من الطغيان والاستبداد السياسي، مثالا ومصداقا على ذلك، رغم انها تمتلك ميزات إيجابية، قد لا نجدها في تجارب قريبة، من قبيل الانتخابات، والتداول السلمي للسلطة والشراكة والمشاركة والفضاء الواسع لحرية التعبير والرأي.

بيد أن ذلك لا يمنع من القول بوجود إشكاليات بنيوية كبيرة وخطيرة، قد تكون لها آثار وعواقب سلبية حاضرا ومستقبليا، فيما اذا لم تتم معالجتها بصورة حقيقية.

ولعله من الطبيعي أن تفرز العملية الديمقراطية من خلال صناديق الاقتراع، كيانات متصدرة، وأخرى غير ذلك، ومن الطبيعي والمنطقي، أن الكيان المتصدر الأول في حال كان يملك اغلبية برلمانية، هو الذي سيشكل الحكومة، واذا لم يمتلك الأغلبية، فلابد ان تتشكل تحالفات وائتلافات من عدة كيانات وأحزاب تتفق على برنامج حكومي وخطوط عامة، لتتولى تشكيل الحكومة.

ولدينا في العراق، لم يكتب النجاح لتشكيل حكومة اغلبية، في مقابل وجود معارضة فاعلة وبناءة تحت قبة البرلمان، لاسباب موضوعية مختلفة، من بينها، طبيعة النسيج السياسي والاجتماعي المتنوع، والتحديات والمصاعب التي واجهت العراق بعد الإطاحة بنظام صدام، وعدم تبلور ثقافة أهمية وجود معارضة تراقب الأداء الحكومي وتعالج وتحاسب وتصحح، بقدر الحرص على نيل حصة من مغانم السلطة والحكم من خلال المواقع التنفيذية العليا. وبذلك،

قلما وجدنا إن هناك طرفا سياسيا ما، يقرر البقاء في ساحة المعارضة السياسية البناءة، لاسيما اذا كان قد حصل على مقاعد برلمانية تتيح له الحصول على وزارة هنا أو هيئة مستقلة هناك.واستنادا إلى ذلك، كان خيار التوافق والتفاهم هو السبيل لمختلف القوى السياسية لتشكيل الحكومات المتعاقبة، وتوزيع وتقاسم المناصب العليا والمواقع المهمة،

رئاسية كانت أم وزارية. وانسحب هذا المنهج من الرئاسات والوزارات إلى حلقات الدولة الاصغر والاصغر، ليأخذ التفاهم والتوافق صيغة المحاصصة، التي افرزت سلبيات واخطاء وانحرافات كارثية، اذ أصبحت المصالح الفئوية والحزبية –وربما العائلية الضيقة متقدمة على المصالح الوطنية العامة. وحتى يضمن كل طرف بقائه واستمراره في ما اكتسبه من مواقع وامتيازات،

كان ينبغي عليه السكوت والتغاضي عن فساد الآخر، ليقوم ذلك الآخر بنفس الشيء حياله، وغابت أو انحسرت وتراجعت في كثير من الأحيان، معايير الكفاءة والنزاهة والإخلاص، لصالح تمدد وتوسع معايير الولاءات الحزبية، والانتماءات العائلية، والمكاسب المالية. وكل ذلك وربما غيره، تسبب في انعدام التخطيط، وبروز الارتجال والاجتهادات الخاطئة وتبديد الموارد والثروات وضعف القانون.

وحتى نكون موضوعيين، لابد من القول إن هناك عوامل وظروفا خارجية، مثل الاحتلال والإرهاب والاجندات التخريبية، إلى جانب العوامل والظروف الداخلية، لعبت دورا في تراكم وتضخيم سلبيات واخطاء منظومة الحكم في العراق بعد عام 2003.ولا شك ان الإصلاح ممكن ومتاح، في حال توفرت الارادات الجادة والنوايا الصادقة، ولكن لا يمكن ان يتحقق ذلك بين ليلة وضحاها، ولا يمكن الغاء الوضع القائم تماما بكل وجوداته ومسمياته، بل إن الخطوات المدروسة في مسار التصحيح والإصلاح، وإن كانت بطيئة وتبدو للبعض رتيبة وغير مجدية الا انها الانجع والأفضل.

قد تكون بعض ملامح ومعالم التصحيح والإصلاح، لاحت في الأفق خلال الأعوام القلائل الماضية، الا انها غير كافية بالمرة مقارنة بحجم الأخطاء والسلبيات المتراكمة، ولعل مخرجات الانتخابات البرلمانية الأخيرة، واستحقاقاتها القادمة، تعد مناسبة وفرصة جيدة للانطلاق بوتيرة اسرع في هذا المسار، لكن بعيدا عن بعض- أو أغلب- الآليات والسياقات السابقة.لا مناص من العمل وفق مبادئ الشراكة والتفاهم والتوافق، في مجتمع متنوع قوميا ومذهبيا ودينيا وفكريا وثقافيا، كالمجتمع العراقي، ولكن بشرط مغادرة المحاصصة بأطرها الحزبية الفئوية، وحساباتها المصلحية الضيقة، ومعادلاتها التخادمية السيئة، والاحتكام بدلا من ذلك إلى الدستور والقوانين المرعية، والمصالح الوطنية.