لم يكن سنة العراق يوما أمويين ولا شيعته صفويين أو إيرانيين..!
فرقان آل رضا ||

لم يكن سنة العراق يوما أمويين ، ولا شيعته صفويين أو إيرانيين ، كانوا عراقيين على ملة مبهمة غامضة تكشف أسرارها في الأزمات والغربة والشدة .
سنة العراق يوالون ويتبعون الإمام أبا حنيفة النعمان والشيخ عبدالقادر الكيلاني ، والأول الأقرب لمذهب زيد بن علي ، الثائر على الظلم أكثر حتى من معاصريه العلويين ، والكيلاني متصوف مريد لملة وسيرة الإمام علي .
من يقرأ سيرة أبي حنيفة النعمان ، وقد قرأت جزءا منها في كتاب( مقاتل الطالبيين) لأبي الفرج الأصفهاني ، صاحب الأغاني ، من يقرؤها سيرى بأن النعمان لم يكن من جماعة( قميص عثمان ) بل أعطى المبررات للثورة على الخليفة الثالث ابن عفان وإن لم يعتقد بأفضلية علي على بكر وبالأخير على الأول .
في مكان عملي الأسبق والأول ، تنتصب فوقنا قطعة إعلانية لمكتب تجاري وعنوانها( المكتب الأموي ) وهي تعود لقريب أو أحد ورثة صاحب البناية التي نستأجر منها وهو سيد شاكر العاني والذي كان يمتلك إقطاعية في غرب بغداد( بالقرب من علي الصالح ) وتحولت إلى شبه حي مسجل باسمه وارتبط اسم سيد شاكر العاني بأكبر صفقة بيع عقار حين اشترى صدام حسين بستانه لغرض توسعة مطار المثنى وفي باله مد مدرجه لاستيعاب طائرات حربية متطورة لغرض الحرب القادمة ، كان مبلغ الصفقة كما أتذكر 18 مليون دينار .
كان القادمون من الجنوب أو غيرهم يقفون مذهولين أمام( مكتب الأموي ) وهم بين مستغفر ربه أو لاعنا بني أمية وينتهي الأمر بضحكة أو مزحة .
نفسي أنا ، جدي لأمي الذي لم أره ، جدي نعمة ، أبو عباس ، كان لا يعمل إلا بضعة أيام في السنة حيث يقود ويقوم بالطقوس المسماة فرحة الزهرة ، ما أريد قوله بأن كل هذا كان يجري بإطار الفولكلور أو العادات المتبعة الممتعة والتي لا تسيء للآخرين أو للمختلفين .
أحاول الحديث أو المشاركة بمقولة( الهوية ) ، الهوية العراقية أن صح القول ؛ أقولها وأرى أن الهوية ممزقة وتشظت أوصالها حتى أصبح السؤال الأهم ، هل يمكن إعادة لمها وجمعها ولصقها بهوية واحدة حتى لو كانت مستحدثة أو حداثية .
كنت ومازلت أقرأ ثلاثية زهير الجزائري( موجات مرتدة ) وهي ما تشبه السيرة ، جزء عن النجف والولادة و البدايات في بغداد ، والثاني الذي بدأته مباشرة عن التجربة في المقاومة الفلسطينية وما رافقها والثالث عن عودته بعد سقوط النظام . ارتبطت قراءتي الثلاثية بثنائية أخرى وهي لقائي بزهير مرتين لساعات طويلة وفيها تحدثنا طويلا عن ما يمكن تسميته هوامش الثلاثية .
قد لا يعني تأريخ زهير الجزائري ولا تأريخي شيئا اليوم ، أمام الموجة العالية للتفاهة ، لكنه يعني الكثير بالنسبة لحكم أخير بحق مجتمع محكوم بالضياع ، ضياع الروح قبل الهوية .
ثلاثية الجزائري أعادت لي فيما أعادت وفجرت وأثارت ، أعادت مفهوم( الهوية ) والذي أراه يتلازم مع مفهوم آخر هو( الاغتراب ) وهذا موضوع يطول وإن كان علينا أبدا العودة إليه فبين الهوية والاغتراب أو يقابلهما( الوطن والمنفى ) فلم يجد زهير ذاته وغيره من الشيوعيين ،
وهذا إطلاق حذر ، لم يجدوا أنفسهم إلا في المنفى ، والأخطر والأكثر إيلاما أن الوطن الذي منحوه أحلى سنين العمر وأغلى ما عندهم وفقدوا روابط الرحم والوصل مع ذويهم ، هذا الوطن لم يستقبلهم أو يأخذهم بالأحضان بل رفضهم ، كلانا كان منفيا في وطنه ومطعونا به ، بالنسبة لي الوطن هو المنفى ولزهير أقفل الوطن أبوابه وأشار إلى المنفى .
تلك الغربة وهذا الاغتراب هي أحد أسباب فشل الشيوعيين في الانتخابات وقبلها عدم فهمهم لوطن أحبوه من طرف واحد .
في ثلاثيته ، يهرب زهير من شيء ما ، هو شيء معلوم ، من حمام الدم وفوضى الأيدولوجيا ، يهرب من حرب ليعمل كمراسل حربي في حروب أخرى ولم يكن لوحده ، لكنه يختلف عنهم بأنه اختار العمل كمراسل حربي كاتبا لجهة غير معلومة ، طوباوية ، كاتبا تقاريره وراصدا زمنا استثنائيا ، حيث ربيع الشعوب وتراجع الامبريالية وزهو الأفكار الأممية وسهولة الطرق بين الأدوات والأهداف ، كانت الأهداف قريبة فيما ابتعد الوطن ومازال يبتعد…يبتعد جدا وما زلنا في ثلاثية زهير الجزائري..
نهاية الجزء الأول من موضوع قد يطول حول خسارة ما يسمى بالمدنيين وتهافت خطابهم وعودة النبرة الطائفية وقبل كل شيء نتائج الانتخابات وطبيعة النظام الحاكم وفئاته وجمهوره وطرق التغيير أو الإصلاح ..




