الأربعاء - 17 يونيو 2026

دبلوماسية الستر وبرودة الگاع.. قراءة في غياب التفاوض الحقيقي في عهد محمد شياع السوداني..!

منذ 7 أشهر
الأربعاء - 17 يونيو 2026

كاظم سلمان ابورغيف ||

 

 

هل كان السوداني مفاوضاً؟: هذا هو السؤال الذي يجب طرحه قبل الخوض في تقييم أيّ زيارة أو اجتماع أو صورة التُقطت مع ملك أو رئيس أو أمير.
والجواب ـ كما تقود إليه الوقائع ـ هو: لا. لم يكن مفاوضاً لا من موقع قوة ولا من موقع ضعف، بل لم يدخل أصلًا في مفاوضات بمعناها السياسي والفني المعروف.

هذا المقال محاولة لشرح لماذا لم يُصنّف السوداني كمفاوض، وكيف كانت علاقاته الخارجية أقرب إلى “دبلوماسية الستر والمجاملة” منها إلى التفاوض الذي يُنتج التزامات ونتائج وأوراق قوة.

أولاً: ما معنى أن يكون القائد مفاوضاً؟

المفاوض الحقيقي يمتلك ثلاثة عناصر أساسية:

1) هدف محدد وواضح: يعرف ماذا يريد قبل الجلوس على الطاولة، وما هي الحد الأدنى والحد الأعلى، وما الذي يقبل التضحية به أو استبداله.

2) أوراق قوة قابلة للضغط: ليست القوة العسكرية وحدها هي الورقة، بل قدرة اتخاذ القرار داخلياً، وحدة القرار السياسي، النفوذ الاقتصادي، أو حتى الشرعية الإقليمية.

3) نتائج قابلة للقياس : اتفاقات، تفاهمات ملزمة، جداول زمنية، أوراق مكتوبة، أو حتى تغييرات ملموسة في علاقة الدولة بالطرف الآخر.

الآن لنضع أداء السوداني في هذا الميزان.

ثانياً: زيارات… لا مفاوضات

في كل لقاء مع ملك أو رئيس أو وزير خارجية أو مسؤول أميركي أو أوروبي، كانت البيانات الختامية تحمل عبارات من قبيل:

> “بحث الطرفان العلاقات الثنائية”
“جرى التأكيد على التعاون”
“تمّت مناقشة الملفات ذات الاهتمام المشترك”

لا نرى شيئاً يشبه:
اتفاق، عقد، تفاهم مكتوب، شروط متبادلة، نقاط مُلزِمة، أو حتى جدول عمل.

1) الزيارة إلى واشنطن:  التقى وزراء ومسؤولين وشركات، وصدر بيان لطيف فيه عبارات “تعزيز الشراكة” و“مناقشة مستقبل العلاقة الأمنية”.
لكن أين الاتفاق؟
أين الوثيقة؟
أين الإطار الملزم للعلاقة ما بعد التحالف الدولي؟
لم يظهر شيء من ذلك.

2) لقاءات القمم الإقليمية: اجتماعاته مع قادة تركيا وإيران والسعودية كانت تصويراً دبلوماسياً أكثر منها فعلاً تفاوضياً.
لا ملفّ المياه مع تركيا تقدّم، ولا ملف القصف الإيراني حُلّ، ولا العلاقات مع السعودية تحولت إلى مشاريع تنفيذية كبيرة.

3) الزيارات المتبادلة مع قادة الجوار:  هل كان هناك تفاوض على ملفات الحدود؟
المنافذ؟ السلاح المنفلت؟ الطاقة؟ الاقتصاد؟ كل ما خرج هو “التفاهم على استمرار الحوار”. الحوار شيء، والتفاوض شيء آخر.

ثالثاً: لماذا لم يكن مفاوضاً؟

1) غياب هدف سياسي قابل للقياس: لم يعلن السوداني يوماً عن هدف تفاوضي محدد في أي ملف.
لا يوجد:

“سنصل إلى اتفاق حول المياه قبل نهاية العام”

“سنبرم معاهدة أمنية جديدة”

“سنعيد صياغة العلاقة مع واشنطن”

كانت جميع الأهداف عامة ومطاطية.

2) غياب أوراق القوة

كيف يفاوض رئيس وزراء لا يملك وحدة قرار داخلي؟
الفصائل تمسك بقرار السلاح.
الأحزاب تمسك بالقرار الاقتصادي.
المحاصصة تمسك بالمؤسسات.
فمن يفاوض باسم من؟ وبأي ورقة؟

3) غلبة المجاملة على الصلابة

التفاوض يحتاج صلابة.
يحتاج “نعم” و“لا”.
في خطاب السوداني، كل الجهات “أصدقاء” و“شركاء” و“أهل ثقة”.
هذه لغة علاقات عامة، لا لغة مفاوضات.

4) غياب النتائج الملموسة

لم ينتج عن زياراته الكثيرة:

اتفاقيات مياه،

تفاهمات حدود،

معاهدات اقتصادية،

تفاهمات أمنية واضحة،

أو حتى وثائق تنفيذية.
كل ما حدث “تطمينات” و“لقاءات” و“ابتسامات”.

رابعاً: أمثلة ميدانية تُثبت غياب التفاوض

1) ملف التحالف الدولي

الإعلان عن “انتهاء المهمة” جاء بلغة عامة.
لكن أين تفاصيل الانسحاب؟
أين الوثيقة التي تحدد الأعداد والمهام والجدول الزمني؟
الجواب: غير موجودة علناً.

2) ملف المياه مع تركيا

هل حدث تفاوض يغيّر سياسات أنقرة تجاه مياه دجلة والفرات؟
الجواب واضح: لم يحدث.
ما زلنا عند مستوى “تفهم تركي لأزمة المياه”.

3) ملف الهجمات الإيرانية

لم نرَ تفاوضاً بل بيانات:
“نرفض الهجوم”
“نطالب باحترام السيادة”
وتنتهي القصة عند هذا الحد.

4) ملف الاستثمار الخليجي

الوعود موجودة.
أما الاتفاقات الاستثمارية الضخمة؟
لم تظهر.

خامساً: ماذا كان يفعل إذاً؟

كان السوداني يؤدي ما يمكن تسميته:

دبلوماسية الستر

صورة لطيفة، خطاب هادئ، رسائل “نحن بخير”، وإيحاء بأن العراق في توازن دائم.

وبرودة الگاع

لا ارتفاع حرارة في الملفات، لا اشتباك سياسي، لا تفاوض حاد، لا شروط، لا ضغط متبادل.
مجرد مشي على سطح بارد… جداً.

سادساً: الفرق بين الزيارة والتفاوض

الزيارة

استقبال،

صورة،

بيان،

كلمات عامة،

مجاملات.

التفاوض

هدف،

شروط،

تنازلات،

اتفاق،

التزام.

السوداني قام بالأول.
ولم يقم بالثاني.

خاتمة

من يرى أنّ السوداني كان “مفاوضاً ناجحاً” فليقدّم وثيقة واحدة تؤكد ذلك:
اتفاق مكتوب، تفاهم ملزم، صفقة سياسية، وثيقة أمنية، أو معاهدة اقتصادية.

حتى الآن، كل ما عنده:
لقاءات وحوارات ورسائل ومظاهر…
لكن ليس تفاوضاً.

في النهاية، يبقى عنوان المرحلة:

دبلوماسية الستر وبرودة
الگاع

علاقات بلا حرارة…
وزيارات بلا نتائج…
وصورة بلا تفاوض.