الخميس - 14 مايو 2026

لا يُلدغ المرء من جُحرٍ مرتَين..!

منذ 6 أشهر
الخميس - 14 مايو 2026

كوثر العزاوي ||

 

 

ليست عبارة تُقال عند الغضب أو الخيبة والوجع وحسب، بل عينُ حكمةٍ تتدفق من نهر التجربة.

فما من ألمٍ يصيبنا عبثًا، ولا من انكسارٍ يمرّ بنا هَمَلًا، إنّما هي إشاراتٌ تُرسَل إلينا بين الحين والآخر لنفيق من غفلةٍ ما، أو لَنعيَ أمرًا كان مستورا، أو لِنتَخفّف من ثِقلٍ ألَمَّ بنا لم نكن ندركه.

فقد يعجز أحدنا في أول الأمر عن إدراك الحكمة منه، فيرى الألمَ مجرّدَ عارض عابر، لا رسولًا من الغيب، ومع مرور الأيام وتجاوز المحنة، وبينما هو يستشعر طعم العافية ولذّة الراحة، يدرك فجأة، أنّ ما حسِبه كسرًا كان في الحقيقة تهيئةً للتماسك، وما توهّم أنّه خسارةً كان فتحًا خفيًّا لبصيرته، وأنّ يدًا رحيمة كانت تمسك به من وراء الغيب، لتُعيد ترتيبه بهدوء بعد التشتت، وتغسل روحَه بالدمع والصبر.

ولكي يفهم، أنّ ما يصيبهُ من فوات نعمة أو تعب، لم يكن يومًا خصمًا، بل معلّمًا رحيمًا سخّره الخالق له للتأديب والتعليم، وحتى سقوطهُ إنّما هي دعوة إلى نهوضٍ أوعى، وفي كلِّ خيبةٍ سبيلٌ إلى مصالحةٍ أصدق مع النفس، وفي كل خديعةٍ يتعرّض لها، أو حالة نكوصٍ يمرّ بها، أو ثمّة مَن يستغله ويستغفله، هناك يدٌ غيبيةٌ تهزّهُ موقِظةً، وكأنها تقول له: انتبه.. إنّ في الطريق لَغم، أو أحذر..ثمّة مسافة أمامك محاطة بالأسلاك الشائكة.
وهذا هو لطف الله الخفيُّ بعينه، وهو يجري مع كل حركة الإنسان رغم غفلته وجحوده.

فمتى يتعلّم الإنسان أن يُصغي إلى رسائل الجراح ويراقبها، يصبح أكثر وعيًا، وأقدر على احتواء الصعاب، وأجدرَ بعبور الحياة.

عندئذ نفهم: معنى أن يكون العبد مؤمنًا عاقلًا بصيرًا، يعني أن يحوّل الألم إلى أمل وحكمة، وأن يجعلَ من الخيبة يقظة لا يأس معها، والجراح سلّمًا نحو الفطنة والاستقامة.

فليس عيبًا أن يُلدغ المرء مرةً أُولى، فالتجربة هي المعلّم، لكن من العيب أن يعود العاقل إلى ذات الجُحر، فيكرّر الفعل، وتتكرّر اللدغة، وكأنه لم يتعلّم ولم يذق مرارة الوجع من ألم تلك اللدغة.

لذا فإنّ علماء النفس، قد اعتبروا المرارة والألم، هي دعوة لإعلان ولادة يقظةٍ جديدة في الأرواح، يقظةٌ تحفظ القلوب من أذىً يتكرّر مع الغفلة، كما تُعلِّمُنا أن نثقَ بوعيٍ وحكمة، وأن نحبّ على هَون وحذر، وأن نمنح لكن بميزان.

وبعد ذلك تتحوّل الآلام إلى خِبرة ومعرفة بدروب الحياة، فتشكّل درعًا حصينًا، يرسمُ لنا حدود السلامة والصلاح، لتحمينا من تكرار نفس الأخطاء، وتَقِينا الزلل والانحراف.

ثم نمضي بلطف الله تعالى في منعطفات الحياة، أوسع نظرًا، وأقوى عزمًا، فالعثرة ليست نهاية الطريق.

٢٠-جمادي الأولى-١٤٤٧هـ
١٢-تشرين الثاني- ٢٠٢٥م