في رثاء الشهيد الحاجّ محمد عفيف..!
د. إسماعيل النجار ||

رحمة الله عليه بعد مرور عامٍ على الفراق..
في سجلّ المقاومة وأخلاق فرسانها، يسطع اسمك أيها القائد الشهيد، بوصفكَ واحداً من أكثر الرجال ثباتاً وصدقاً وتواضعاً في معركة الكلمة والصورة والوعي. أنتَ لم تكُن مجرّد مسؤول للوحدة الإعلامية في حزب الله، بل كنتَ ضميراً إعلامياً حيّاً حمل الرسالة بعقله وقلبه، وجعل من العمل الإعلامي جبهةً حقيقية لا تقلّ خطورة عن ساحات القتال.
حاج محمد عفيف رجلٌ في زمن الفراغ والرماد؟. فعندما اشتدّ غبار الحروب وانهارت الأقنعة، بقي العفيف في الميدان يوم غادره الكثيرون وسآدَ صمتهُم ولم نعُد نعلن أين هُم؟!.
الكاميرا عنده لم تكن أداة ترويج أو زينة بل كانت سلاحاً يحفظ الحقيقة من الرصاص، ويمنح المقاومة لغةً تفهمها الأمة. واجه القصف، والتهديد، والتضييق، والحرب النفسية، وبقي واقفاً ثابتاً ليقول الحقيقة لا تُذبح ولا يمكن لكم أن تذبحوها.
{تواضع الحاج محمد عفيف يُجبِرُكَ على الاحترام} على الرغم من موقعه الحساس، لم يعرف عفيف الكِبر. كان يستقبل الصحافيين بابتسامة خجولة، ويُصغي قبل أن يتحدّث. رأى في كل إعلامي مشروع مقاتل على طريقته. لم يسأل يوماً عن عنوان الصحيفة، ولا عن طائفة الكاتب بل عن ضميرهُ. كان بسيطاً في هندامه، عميقاً في كلماته، يُذكّر من يجلس أمامه بأن الانتصارات تبدأ من الأخلاق. وكان صاحب معرفة عميقة بالأحداث ونظرته لا تخطئ.
{تميّز الشهيد بقراءة دقيقة للحروب الهجينة، لفنون التحريض، لتوقيت التسريبات، لأساليب الضغط النفسي. لم يكن خبرَ اليوم يعنيه فقط، بل ما يعنيه هو أثره على وعي الناس غداً وبعد الغد. كان يرى أبعد من أسوار الزمن، ويقرأ ما بين سطور الحرب: أين تريد الأطراف أن تدفع الرأي العام؟ وكيف يفكر العدو؟ وأين تقف ثغور الوعي؟
{لقد كانَ رَفِقٌ مع الرفاق وسؤاله دائم عن أحوالهم} ففي لحظات التوتر التي تُربك العقول، كان الحاجّ محمد يسأل عن صحة هذا الإعلامي وذآك ويسأل عن ضيق ذاك المصور أو المراسل. يمدّ يده لمن يتعثّر ولا يرفع صوته على من يخطئ. كان أباً بلا ادّعاء، وأخاً بلا تكلّف. خلف مكتبه كانت مساحة إنسانية دافئة مليئة بالأخلاق والتواضع والحِس بالإنسان، من يدخل مكتبه يخرج خفيفاً وإن كان مثقلاً بالمشاكل والهموم.
{حاج محمد عفيف كانَ إنساناً قبل أن يكون مسؤولاً}
{في أشدّ ساعات القصف على الضاحية والجنوب، لم ينسَ عفيف الأطفال والأسر التي تُهدم بيوتها. كان يوجّه فرقه لتوثيق الجرائم، لا لفضائح إعلامية، بل لتبقى الذاكرة شاهدة على دمعة أمّ لا تجد حجراً تحتمي خلفه. رأى في الإعلام حماية للإنسان قبل أن يكون منصة للحروب.
{حاج محمد عفيف هو الفراغ الذي لا يُملأ مهما تنوعت الوجوه}
{برحيله، خفتَت نبرة الصدق في بعض زوايا الإعلام المقاوم. فمهما جاء بعده من مسؤولين، سيبقى الكلّ يتّكئُ على ارثه، ينهل من منهجه، ويصحّح بوصلته وفق بصماته. ترك فراغاً عميقاً في الروح قبل المؤسسات: فراغ رؤية، حكمة، هدوء، وقدرة على تحويل الأزمة إلى فرصة. لم يملأه أحد، ولن يملأه أحد، لأنه لم يكن موظفاً في منصب، بل روحاً في جسد التجربة.
{مَن خَلَفَهُ ومَن سيخلف خَلفهُ إذ لم يكُن على شاكلة الحاج محمد سيبقى الفارق كبير وفادح}
تركَ الحاج محمد خلفه ملفاً ثقيلاً لا يورّث بسهولة.
{غابت تلك الحساسية الإنسانية في التعامل مع الإعلاميين.
{خفتت القراءة التحليلية العميقة للأحداث.
{تراجعت القدرة على بناء خطاب عاطفي عقلاني في آنٍ واحد.
{تحوّل الإعلام من صدرٍ واسعٍ إلى مكاتب مغلقة.
{ذهبت المرونة، وحضر الصوت العمودي البيروقراطي.
{كان عفيف يجمع المتناقضات بموهبة القوة والهدوء، الصرامة والابتسامة، الصراحة والحكمة. وهذا الجمع لا يتكرر بسهولة.
{سيبقى رحيله حزن يقطن في سطور الذاكرة} كيف ننسى رجلاً كانت الكلمة عنده شبيهةً برصاصةٍ لها هدف لا يُخطئ؟ كيف ننسى يدَهُ التي تربّت على أكتاف العاملين في أصعب المعارك؟
كيف ننسى نظرة عينيه حين كان يبشّر بالنصر بهدوءٍ لا يعرفه إلا الصادقون؟
{رحل الحاجّ محمد عفيف، والرجولة حَطَّت رِحالها؟، والبلاد التي تحب رجالها تحفظ أسمائهم في حجارة شوارعها وصمت لياليها. سيبقى محمد عفيف في ذاكرة الصحافيين نموذجاً للمسؤول الذي يُربّي ولا يوبّخ، يوجّه ولا يقمع، يثق ولا يراقب.
{محمد عفيف رثاء القلب}
يا من جعلت الصورة تنطق قبل أن تتكلّم، يا من علّمتنا أنّ الإعلام ليس هوى ولا تجارة، بل واجبٌ ثقيل، نم قرير العين يا حاجّ فمن وراءك رجالٌ يحاولون أن يتشبهوا بظلالك نتمنى لهم النجاح.
{لكن الحقيقة أن ظلالك أطول من أجسادهم}
ليس الرثاء هنا نصاً بل محاولة فاشلة لاحتواء غيابٍ لا يُحتوى.
فإسمك باقٍ في ذاكرة المقاومة كزيتٍ في قنديلها، لا يطفئه الوقت.
{رحمك الله يا محمد عفيف}،
وجعل علمك ودمك وقيمك مصابيح لمن يحمل الراية بعدك.
بيروت في،، 12/11/2025




