حين بايعوا نصرانياً على خلافة المسلمين.. مشهد يُعرّي استخفاف بني أُمية بأمانة رسول الله “ص”..!
✍ كاظم سلمان ابورغيف ||

في سجلّ التاريخ الإسلامي لحظاتٌ لا يمكن المرور عليها مرور الكرام، لأنها تكشف جوهر الانحراف الذي أصاب مسار الأمة بعد رحيل رسول الله صلّى الله عليه وآله، حين أُفرغت الخلافة من مضمونها الرسالي، وتحوّلت إلى وسيلةٍ دنيويةٍ يتوارثها بنو أُمية كما يتوارث الملوك عروشهم.
ومن أبرز الشواهد على هذا الاستخفاف ما أورده الذهبي في سير أعلام النبلاء (ج3، ص536)، إذ قال:
﴿سلَّموا بالخلافة على حسّان أربعين ليلة، ثم سلَّم الأمر إلى مروان﴾.
وتتضافر المصادر التاريخية الأخرى –
كـ البداية والنهاية لابن كثير (ج8، ص228)، والكامل في التاريخ لابن الأثير (ج4، ص224)، وأنساب الأشراف للبلاذري – لتؤكد أن الواقعة حدثت فعلاً في الشام بعد وفاة معاوية، حين اضطرب أمر يزيد ولم يُجمَع عليه، فدُفِعت الخلافة مؤقتاً إلى حسّان بن مالك بن بَحدَل الكلبي، أحد زعماء بني كلب المقربين من معاوية، المعروفين بجذورهم النصرانية قبل الإسلام.
🔹 خلافةٌ تُمنح وتُسحب:
أن يُسلَّمَ بالخلافة على رجلٍ لأربعين ليلة، ثم تُنتزع منه وتُعطى لمروان بن الحكم، يكشف كيف تحولت “خلافة المسلمين” إلى سلعةٍ سياسيةٍ تُدار بالمصالح، لا بالحق والعدالة.
فما كان ينبغي أن يكون امتداداً لرسول الله صلّى الله عليه وآله في قيادة الأمة بالهداية والرحمة، صار عند بني أُمية أداةً للسيطرة والوراثة.
🔹 حسّان بن بَحدَل… واجهة التحالف الأموي:
لم يكن حسان شخصية دينية أو علمية، بل زعيم قبيلةٍ موالية للأمويين، وظّفوه لتثبيت سلطتهم في الشام ريثما تُهيّأ الظروف لمروان بن الحكم.
وهكذا، وجد المسلمون أنفسهم أمام مشهدٍ يختزل الانحراف كلّه: نصرانيّ الجذر والهوى يشك في حقيقة إسلامه وإسلام قبيلته يُنصّب خليفةً على المسلمين بأمر بني أُمية، ثم يسلّم الخلافة بيده إلى مروان، وكأنّها إرثٌ عائليّ لا صلة له بدينٍ ولا بشرع.
🔹 الجوهر واحد: استخفافٌ بالرسالة والإمامة:
لم تكن هذه الحادثة استثناءً، بل عنواناً لطبيعة الحكم الأموي الذي نزع القداسة عن موقع الخلافة، فحوّله إلى ملكٍ عضوض.
فالإمامة التي جعلها الله امتداداً لنبوّة رسوله صلّى الله عليه وآله في الهداية والعدل، صارت بيد من لا يؤمن بها، ولا يعرف قدرها، حتى آل الأمر إلى أن يتسلّمها من لا يحمل من الإسلام إلا اسمه.
🔹 من هذا المنحدر بدأت المأساة:
من هذا الانحراف بدأ الطريق إلى كربلاء، حيث انتفض الحسين بن عليّ عليه السلام ليعيد للخلافة معناها الشرعي والروحي.
لقد كان استهتار بني أُمية بأمر الخلافة سبباً في تمزيق الأمة، وتبديل الدين بالهوى، واستبدال الولاء لله ورسوله صلّى الله عليه وآله بولاءٍ للسلطة والدم.
🔹 خاتمة:
حادثة تسليم الناس على حسّان بن بحدل أربعين ليلة ثم نقل الخلافة إلى مروان، ليست تفصيلاً في التاريخ، بل وثيقة إدانةٍ خالدة تكشف كيف أهان الأمويون المقام الذي جعله الله امتداداً لرسوله صلّى الله عليه وآله.
ومن يتأمل هذا المشهد يدرك أن الانحراف لم يكن سياسياً فحسب، بل كان انقلاباً على جوهر الرسالة نفسها، حين أُعطي تاج الخلافة لغير أهله، فغابت العدالة، وضاع الحقّ، وامّحت قداسة الخلافة من قلب الأمة.
📚 المصادر:
1. الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3، ص536، مؤسسة الرسالة.
2. ابن كثير، البداية والنهاية، ج8، ص228.
3. ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج4، ص224.
4. البلاذري، أنساب الأشراف، باب أحداث الشام بعد معاوية.
5. الطبري، تاريخ الأمم والملوك، أحداث سنة 64 هـ.




