حين يَسوقُ العقلُ الجمعي أمةً بأكملها .؟
طه حسن الأركوازي ||

لستَ مُلزماً بإقناع الجميع ، فالعقل الجمعيّ يملك سُلطةً جبّارة على الأفراد ، تسوقهم حيثما يشاء ، وتوجّههم من حيث لا يشعرون ، وتُعيد إنتاج أخطائهم جيلاً بعد جيل ، وهذه الحقيقة لم تَغِب عن صفحات التاريخ ، إذ ظلّ الوعي الجمعيّ القوة الخفية وراء كثير من التحولات الكبرى ، سواء نحو النهوض أو نحو السقوط .
في التجارب الإنسانية المتعددة ، نرى كيف يمكن أن يتحول “العقل الجمعي” إلى أداةٍ لتكريس الخوف والاتباع الأعمى ، فعندما ساد النازيون في ألمانيا الثلاثينيات لم يكن هتلر وحده من أشعل نار الحرب ، بل كانت الجموع المأخوذة بخطاب القوة والتفوق ، التي منحت الشرعية لحكمٍ مطلقٍ باسم “الخلاص الوطني”.
وفي الاتحاد السوفيتي ، كان الخوف من الاختلاف كفيلاً بتحويل ملايين العقول إلى نسخٍ متشابهة حتى سقط النظام من داخله بعدما فقد القدرة على التفكير النقدي والإصلاح الذاتي .
وهذه الظواهر ليست بعيدة عن واقعنا ، فالعراق ، منذ سنواته الأولى بعد عام 2003 ، عاش حالةً مُشابهة من الانقياد وراء الشعارات لا البرامج ، ووراء الانتماءات لا الكفاءات ، حتى أصبحت صناديق الاقتراع مرآةً لما يريده “العقل الجمعي” لا لما تحتاجه الدولة ، لقد صوت كثير من العراقيين بدافع الخوف أو العصبية أو الولاء الطائفي أو المصالح الضيقة لا بدافع الوعي الوطني الجامع ، فكانت النتيجة دولة مثقلة “بالمحاصصة” ، ومنهكةً بالفساد ، ومكبّلةً بالعجز المؤسسي .
إنّ “العقل الجمعي” في بيئةٍ مأزومةٍ كالبيئة العراقية يشبه موجاً هائجاً لا يعرف الاتجاه ، يسحب الأفراد في تياره ، فيغدو التفكير الحرّ تهمة ، والموقف الوطني مغامرة ، والاختلاف خيانة ، وهنا تكمن خطورة اللحظة التي نعيشها اليوم ، ونحن على أعتاب أنتخاباتٍ جديدة نعُيد فيها السؤال ذاته ، هل سيقود الوعي الجمعيُ التغيير هذه المرة أم سيُعاد إنتاج الفشل ذاته بأدواتٍ مختلفة .؟
لقد أثبتت تجارب الشعوب أن التحرر من سطوة “العقل الجمعي” لا يتحقق إلا حين يمتلك المواطن وعيه الفردي المُستقل ، القائم على الفهم لا التلقين ، وعلى المصلحة الوطنية لا العصبية .
فاليابان ، بعد دمار الحرب العالمية الثانية لم تنهض بالشعارات بل “بالوعي الجمعي الإيجابي” الذي حوّل الألم إلى مشروع بناء ، بينما فشلت كثير من دول المنطقة لأن وعيها العام ظلّ أسيرَ الحزب أو الطائفة .
وفي العراق ، لا يمكن أن تُبنى دولةٌ حقيقية ما لم يتحرر وعي الناس من هذه الدائرة المغلقة ، فالإصلاح يبدأ من كسر سلطة الخوف ، ومنح الثقة للعقل لا للانتماء ، وللكفاءة لا للمحسوبية ، ولا يمكن لبلدٍ أن ينهض إذا ظلت المناصب تُمنح على أساس الولاء الحزبي أو القرب من السلطة أو صفقات التراضي بين الكتل .
إنّ من يريد إصلاح الدولة عليه أن يبدأ بإلغاء المحاصصة والتوافق والتوازن والمحسوبية ، وأن يضع الرجل المناسب في المكان المناسب ، لأن الدولة ليست غنيمة تُقسم ، بل مسؤولية تُؤدى .
وإنّ الطبقة السياسية العراقية اليوم أمام أختبارٍ أخلاقي وتاريخي لا أمام منافسةٍ أنتخابية فحسب ، فالشعب ، وإن بدا مُنهكاً ومُتردداً ، لا يزال يحتفظ في داخله برغبةٍ صادقة في التغيير ، لكن هذه الرغبة ستبقى مجرد أملٍ ما لم تجد من يحترمها ويمثّلها بصدقٍ ونزاهة ، فالوطنية ليست شعاراً يُرفع في موسم الانتخابات ، بل سلوكٌ يُترجم في القرار والسياسة والإدارة ، وعلى الأحزاب والقوى السياسية أن تدرك أن الرأي العام لم يعد كما كان ، فالعراقي أصبح اليوم أكثر وعياً ، وأكثر إدراكاً لخطاب التضليل والمزايدات ، ولم يعد يقبل أن يُقاد بعصا الخوف أو الوعد الكاذب ، لذلك ، فإن من يريد البقاء في المشهد عليه أن يتصالح مع فكرة الدولة لا مع فكرة الغنيمة ، وأن يعيد الاعتبار للكفاءة والعقل والخبرة ، لا للولاء والعشيرة والمذهب .
أخيراً وليس آخراً .. إننا على بُعد ساعاتٍ من أختبارٍ جديد في مسيرة عراقٍ أنهكته الأزمات ولا خلاص إلا بتحرر العقول قبل الصناديق ، فصوت الفرد الحر هو أول خطوةٍ في كسر سلطة “العقل الجمعي” المنقاد ، وبداية طريقٍ نحو دولةٍ تليق بتاريخ العراق وكرامة أبنائه .
غداً .. ستقول الصناديق كلمتها ، لكن يبقى وعي الشعب هو من سيقرر مُستقبل العراق …!




