التغيير في العراق بين صندوقٍ عاجز وواقعٍ لا يتبدل .؟
طه حسن الأركوازي ||

كلما أقترب موعدُ الانتخابات في العراق ، يتجدد الحديث عن “التغيير” بوصفه الحلم المُؤجل الذي يراود العراقيين بعد كُل خيبة ، لكن هذا الحلم رغم وجاهته ومشروعيته ، يصطدم دائماً بجدارٍ من الحقائق المُرة التي تجعل صناديق الاقتراع مُجرد طقسٍ سياسي أكثر منه وسيلةً للتداول السلمي للسلطة ، فالمحاصصة باقية ، والتوازنات الحزبية والطائفية راسخة ، والنخب ذاتها تعيد إنتاج نفسها تحت عناوين مُختلفة وأقنعة مُتجددة ، وكأن الزمن السياسي في العراق يدور في دائرة مغلقة لا مخرج منها .
اليوم من الصعب أن تلتقي بعراقي إلا وتسمع منه حديثًا مُكرراً عن طموحه في التغيير ، وعن رفضه لطبقة سياسية أرهقت البلاد ، وأفقرَت العباد ، فالشعور بالخذلان عميق ، وذاكرته مُثقلة بسنواتٍ من الفساد ، وسوء الإدارة ، والوعود الكاذبة ، ومع ذلك حين يُسأل هذا المواطن عن طريق التغيير ، تتلعثم الإجابة يعرف ما لا يريده ، لكنه لا يعرف كيف يصل إلى ما يريد ، وهنا تكمن المفارقة “وعيٌ متزايد بفساد الواقع ، يقابله استسلامٌ متجذر لقدرٍ يُعتقد أنه لا يتبدل” .؟
الانتخابات العراقية المقررة أن تجري من 9-11 من هذا الشهر تشرين الثاني 2025 ، قد تبدو مفصلية من حيث الشكل ، لا لأن العراقيين أكتشفوا فجأةً قدرتهم على قلب الموازين ، بل لأنها تأتي في ظرفٍ إقليمي ودولي مُتحول ، ومع ذلك فإن الرهان على أن صناديق الاقتراع وحدها ستنتج التغيير ، يظل رهاناً عاطفياً أكثر منه سياسياً ، فالعراقي جرّب من قبل ، وصوّت بأملٍ كبير ، ثم أستيقظ على مشهدٍ مألوف ، نفس الوجوه ، نفس الخطابات ، ونفس الأزمات .؟
ورغم مرور أكثر من خمسة أستحقاقات أنتخابية منذ عام 2005 ، لم ينجح النظام السياسي في العراق في إنتاج دورة طبيعية لتداول السلطة ، فالديمقراطية الشكلية ، حين تُفرغ من مضمونها تتحول إلى واجهةٍ لإعادة تدوير النفوذ ذاته ، والسؤال الذي يطرحه الشارع العراقي اليوم بجرأة ، هو ما فائدة الانتخابات إن كانت لا تُغير من جوهر الواقع شيئاً .؟
ربما الجواب يكمن في البنية السياسية نفسها ، القائمة على مبدأ المحاصصة الحزبية والطائفية الذي جرى تكريسه بعد عام 2003 ، حتى أصبح عُرفاً سياسياً يتقدم على الدستور ذاته .؟
هذا النظام جعل السلطة في العراق مُوزعة لا على أساس الكفاءة أو البرامج ، بل على أساس الانتماء والهويات الفرعية ، وبهذا فإن هذه الأنتخابات وإن جاءت بوجوه جديدة لا يمكن أن تخرج من عباءة هذا النظام المُغلق الذي يُعيد إنتاج نفسه عبر “التوافقات” لا عبر التنافس الحقيقي .
المفارقة أن العراق لا يفتقر إلى الوعي ولا إلى الرغبة بالتغيير ، لكنه يفتقر إلى المنظومة التي تسمح به.؟
فحين تكون كُل القوى شريكة في الحُكم ، تغيب المعارضة الحقيقية ، وتموت المحاسبة ، ويتحول البرلمان إلى ساحة مساومات لا إلى منبر تشريعي ورقابي ، هذه الصيغة جعلت المواطن العراقي يشعر أن صوته لا قيمة له ، لأن نتائج الانتخابات تُفصل على المقاسات مُسبقاً ضمن معادلة السلطة الدائمة .
فمع أقتراب ساعات الانتخابات يبدو المزاج العام مُتأرجحاً بين يأسٍ مُبرر وأملٍ هش ، فالمواطن الذي ضاق ذُرعاً بالوعود الكاذبة لا يزال يتمسك بخيط الأمل الرفيع بأن تُولد لحظة وعيٍ جماعي تُعيد تعريف مفهوم المشاركة لا كفعلٍ شكلي ، بل كأختيارٍ واعٍ لمن يمثل مشروع دولة لا مشروع طائفة أو حزب ، فالانتخابات ليست محطة الختام كما يُخيل للبعض ، بل هي نقطة الانطلاق نحو مسارٍ أعمق من مجرد التصويت ، فالصندوق لا يصنع التغيير ما لم تُصاحبه إرادةٌ واعية تُعيد تعريف معنى الاختيار ، وتجعل من الصوت الانتخابي فعلَ مسؤوليةٍ لا مجاملةٍ أو أنتماءٍ ضيّق .
إن التغيير لا يتحقق بورقةٍ تُلقى في الصندوق ، بل بعقلٍ يُدرك أن الإصلاح يبدأ من الوعي لا من شعارات فارغة المُحتوى ، وحين يبقى الناخب أسيرَ الخطاب الشعبوي والولاء الحزبي ، فإن الانتخابات لن تكون سوى دورةٍ جديدة لإعادة تدوير الإخفاق نفسه ، ومنح الشرعية ذاتها لمنظومةٍ فشلت في بناء الدولة وأرهقت المواطن .
أخيراً وليس آخراً .. إن العراق اليوم لا يحتاج إلى أصواتٍ أكثر ، بل إلى وعيٍ أعمق ، ولا يحتاج إلى وعودٍ جديدة ، بل إلى إرادةٍ صادقة تُحرر الدولة من قبضة المحاصصة والارتهان ، وعلى النخب السياسية ، وهي تدخل هذه الانتخابات ، أن تدرك أن صبر الشارع لم يعد رصيداً مفتوحاً ، وأن التجديد الشكلي لم يعد يُقنع أحداً .
قد يتسامح العراقي مع الجوع ، لكنه لن يتسامح مع ضياع الوطن ، فإما أن تكون هذه الانتخابات بدايةً لولادة دولةٍ جديدة تقودها إرادة الإصلاح ، أو تكون إعلاناً جديداً لفشلٍ مستمر ، لن يبقي في النهاية لا سلطة تُدار ولا وطن يُحكم …!




