الأحد - 14 يونيو 2026
منذ 7 أشهر
الأحد - 14 يونيو 2026

كاظم ابورغيف ||

 

 

سياسة خنق العراق بين سدّ إليسو وسدّ الجزرة… ماذا ستفعل السياسة الخارجية العراقية؟

منذ أن أطلقت تركيا مشروعها العملاق في جنوب شرق الأناضول (GAP)، كان واضحًا أن العراق سيكون أبرز المتأثرين به. فالنهر الذي شكّل عبر التاريخ شريان الحياة لبلاد الرافدين، أصبح اليوم يُدار من خلف بوابات إسمنتية عملاقة تتحكم بتدفقه، وفي مقدمتها سدّ إليسو الذي دخل الخدمة عام 2020، وسدّ الجزرة الذي يُنتظر تشغيله في عام 2026 ليكون القفل الأخير على مجرى نهر دجلة قبل دخوله الأراضي العراقية.

هذه المشاريع لم تعد مجرد خطوات تنموية داخلية كما تصفها أنقرة، بل تحوّلت إلى أدوات ضغط جيوسياسي تمارسها تركيا ضمن ما يمكن تسميته بـ«سياسة خنق العراق المائي»، إذ باتت تمتلك القدرة التقنية والسياسية على التحكم شبه الكامل بمياه دجلة والفرات، ما يمنحها نفوذًا واسعًا على أمن العراق المائي والغذائي والسياسي معًا.

🔹 إليسو… البداية العملية للضغط المائي

سدّ إليسو حجز خلفه أكثر من عشرة مليارات متر مكعب من المياه، ما أدى إلى انخفاض تدفق نهر دجلة نحو العراق بنسبة تجاوزت الخمسين بالمئة في بعض المواسم.
النتائج كانت مباشرة: جفاف زراعي واسع، انخفاض مناسيب مياه الشرب، وتراجع النظام البيئي في الموصل وبغداد والجنوب.

ورغم أن تركيا تبرر المشروع بأنه لتوليد الطاقة، إلا أن طريقة تشغيل السدّ وعدم وجود اتفاقية ملزمة لتقاسم المياه جعلاه أداة سياسية بامتياز. فالإطلاقات المائية تُستخدم كورقة تفاوض في ملفات الأمن والاقتصاد والطاقة، وحتى في القضايا المرتبطة بالوجود العسكري التركي داخل الأراضي العراقية.

🔹 الجزرة… المرحلة الأخطر

سدّ الجزرة، الجاري بناؤه حاليًا على الحدود التركية–العراقية، يمثل المرحلة الأخيرة والأخطر في سلسلة السيطرة على دجلة.
فهو مصمم ليكون السدّ التحويلي والتنظيمي الأخير، أي أنه سيحدد بدقة كمية وتوقيت المياه الخارجة من تركيا باتجاه العراق. وبذلك ستتحول الحدود الشمالية إلى حنفية سياسية تستطيع أنقرة فتحها أو إغلاقها وفق مصالحها ومزاجها السياسي، ما يضع العراق أمام خطر التحكم الكامل بمصادر حياته.

🔹 العراق… بين الجفاف والعجز الدبلوماسي

رغم حجم الكارثة المتوقعة، لم يواكب الأداء الدبلوماسي العراقي مستوى التحدي. فالمفاوضات مع أنقرة ما تزال تدور في حلقة وعود وتصريحات غير ملزمة، دون أن تثمر عن اتفاق واضح يضمن حصة العراق المائية وفق القوانين الدولية المنظمة للأنهار العابرة للحدود.

ولم تنجح بغداد حتى الآن في تدويل الملف أو استثمار مكانتها الإقليمية لحشد دعم دولي. كما أنها لم تُفعّل أوراقها الاقتصادية كورقة ضغط، رغم أن السوق العراقية تُعد من أكبر الأسواق المستقبلة للسلع التركية، ورغم اعتماد تركيا على خطوط نقل الطاقة التي تمر عبر الأراضي العراقية.

🔹 ما الذي ينبغي أن تفعله السياسة الخارجية العراقية؟

لم يعد الصمت خيارًا، ولا الانتظار سياسة. المطلوب اليوم تحرك وطني–دبلوماسي شامل على أكثر من مستوى:

1. تدويل الأزمة المائية عبر الأمم المتحدة ومجلس الأمن، بوصفها تهديدًا وجوديًا للأمن الغذائي والبيئي العراقي.

2. تشكيل تحالف إقليمي يضم العراق وسوريا وإيران، لتنسيق المواقف ضد السياسات المائية التركية أحادية الجانب.

3. ربط المصالح الاقتصادية والتجارية مع أنقرة بضمانات مائية حقيقية ومكتوبة.

4. إطلاق دبلوماسية مائية إعلامية وشعبية تشرح للعالم حجم الكارثة المحتملة إذا جف دجلة.

5. وضع استراتيجية مائية وطنية تركز على تقنيات الري الحديثة، وحصاد الأمطار، وإعادة تدوير المياه لتقليل الاعتماد على الخارج.

🔹 ختامًا…

ما بين إليسو والجزرة، يُختبر ليس فقط صبر العراق على الجفاف، بل قدرته على حماية سيادته ووجوده. فالنهر الذي خطّ أول سطور الحضارة في التاريخ، قد يتحول إلى ذكرى إن لم تتحول السياسة الخارجية العراقية من ردّ الفعل إلى الفعل المبادر.

إن الماء في العراق لم يعد مجرّد مورد طبيعي؛ إنه ملف سيادي وأمني واستراتيجي، تتوقف عليه الحياة والقرار والمستقبل.