“الفاشر”.. مدينة تُحاصرها الجثث ويخنقها الصمت..!
أمين السكافي ||

في قلب دارفور، تقف الفاشر اليوم كجرحٍ مفتوح في جسد السودان. المدينة التي كانت يوماً عاصمةً للعلم والتجارة صارت مسرحاً للموت، حيث يتقاطع الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في حربٍ حوّلت المدنيين إلى وقودٍ لمعركة لا ترحم.
منذ اندلاع الأزمة في أبريل 2023، تحوّل التنافس بين الجنرالين — عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو (حميدتي) — إلى حربٍ شاملة امتدت من الخرطوم إلى عمق دارفور. ومع تصاعد القتال، كانت الفاشر آخر معاقل الجيش في الغرب، فصارت هدفاً رئيسياً لقوات الدعم السريع التي فرضت عليها حصاراً خانقاً.
في شوارع المدينة ومخيماتها، تتناثر صور المأساة: أحياء محترقة، مستشفيات مدمّرة، أطفال يبحثون عن قطرة ماء، ونساءٌ يعشن رعب الاغتصاب والاختطاف. الحصار المستمر منذ شهور حرم السكان من الغذاء والدواء، وجعل الجوع سلاحاً آخر في يد المتقاتلين.
وفق تقديرات أممية ومحلية حديثة، قُتل أكثر من ألفي مدني وجُرح الآلاف في الفاشر ومحيطها منذ منتصف عام 2024، بينهم نساء وأطفال ومرضى قضوا داخل المستشفيات المحاصرة. إنها حرب تُدار بلا خطوط حمراء، يختلط فيها الموت بالجوع، والنار بالصمت الدولي.
وراء البنادق تقف أطماعٌ أكبر من حدود السودان: صراع على النفوذ والثروات بين قوى إقليمية تُغذّي الحرب بالمال والسلاح. لكن الضحية الوحيدة تبقى الفاشر، المدينة التي تُدفن كل يوم مرتين — مرة تحت الركام، ومرة في صمت العالم.
في هذه البقعة المنسية من الأرض، لا شيء يعلو فوق صوت الرصاص سوى أنين الجوعى ونحيب الأمهات. ومع ذلك، ما زال بعض أهل الفاشر يتمسّكون بالحياة، كمن يُشعل شمعة في عاصفةٍ لا تنطفئ.




