الخميس - 14 مايو 2026

الزهراء وأبيها وبعلها وبنوها: رحمةُ الله الواسعة بحث قرآني – عرفاني في ضوء تفسير العترة الطاهرة..!

منذ 6 أشهر
الخميس - 14 مايو 2026

كاظم ابورغيف ||

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (الأعراف: 156)

تُعدّ “رحمة الله الواسعة” من المفاهيم القرآنية الكبرى التي استوقفت العقول والقلوب عبر العصور، لأنها تمثل جوهر العلاقة بين الخالق والمخلوق، وبين العدل الإلهي والفيض الرحماني الذي لا يُحدّ. غير أنّ مدرسة أهل البيت عليهم السلام، وهي وارثة سرّ النبوّة وباطن الكتاب، فسّرت هذه الرحمة تفسيرًا يربط بين التجلي القرآني للرحمة وبين الوجود المحمدي الفاطمي العلوي الحسني الحسيني، باعتبارهم مظاهر الرحمة الإلهية في العالمين.

الرحمة الواسعة في ضوء القرآن والعترة

قال تعالى في كتابه الكريم:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107).

هذه الآية جعلت الرحمة عنوانًا لرسالة النبي محمد ص، لا بالقول فحسب، بل بالوجود؛ فهو الرحمة المجسّدة في الأرض، ومنه تتفرّع سائر الرحمة إلى الخلق.
ومن هذا المنطلق جاء في روايات أهل البيت عليهم السلام تفسيرٌ أعمق للآية الأخرى:

﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾،
قال الإمام الصادق عليه السلام: «تلك الرحمة نحن، نحن رحمة الله التي وسعت كل شيء، وبنا يُرحم من في السماوات والأرض» (تفسير القمي، ذيل الآية).

فالرحمة في نظر العترة ليست مفهومًا مجردًا، بل هي نورٌ متجسد في محمدٍ وآله الطاهرين، بهم بدأ الخلق، وبهم يتم، وهم الوسائط بين العبد وربه في الفيض والمدد والهداية.

الزهراء عليها السلام: قلب الرحمة الإلهية

إذا كان النبي ص هو أصل الرحمة، فإن الزهراء عليها السلام هي قلبها النابض، كما ورد في الحديث الشريف:

«فاطمة بضعة مني، من آذاها فقد آذاني».
وهذا ليس مجرد وصف عاطفي، بل بيان لسرّ الاتحاد النوري بين الأب والابنة، فكما أن النبي رحمة للعالمين، فإن فاطمة هي رحمة الرحمة، ومصدر فيضها على العترة والأمة.
يقول الإمام الباقر عليه السلام: «لولا فاطمة ما خلق الله محمداً وعلياً، فهي سبب الوجود، كما أن رحمة الله سبب البقاء».

بعلها وبنوها: تجليات الرحمة في مقام الفعل

الرحمة لا تُقاس باللين وحده، بل كذلك بالعدل والحق الذي يصون الكرامة الإنسانية.
فالإمام علي عليه السلام هو مظهر الرحمة في وجهها العادل، كما قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة: 8).
وقد ورد في الحديث القدسي: «بعليٍّ أرحم عبادي بخلقي».
أما الحسن والحسين عليهما السلام، فهما رحمتان متقابلتان: الأولى رحمة الصلح والإحسان، والثانية رحمة الدم والشهادة. كلاهما رحمةٌ بوجهين، فحسنٌ أطفأ نار الفتنة بصلحه وإخماده فتنة معاوية وحفظه أتباع الحق، وحسينٌ أنقذ الدين من الموت، وبهما اكتمل معنى قوله تعالى:
﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (الأعراف: 56).

في تأويل العرفاء: الرحمة المطلقة في الوجود المحمدي الفاطمي

يرى بعض العرفاء المعاصرين، كالسيد محمد حسين الطباطبائي والعلامة السيد محمد حسين الحسيني الطهراني، أن الرحمة الواسعة التي تحدّث عنها القرآن ليست سوى الوجود المحمدي في تجليه التام، وأن هذا الوجود يتشعب في أربعة أنوار هي: نور عليّ، وفاطمة، والحسن، والحسين.
فالعلامة الطباطبائي يقول في تفسير الميزان:

“رحمته تعالى هي فيض وجوده، ومظهر هذا الفيض في الخلق هو محمد وآله، لأنهم مجرى فيض الوجود والرحمة في العالم.”

أما السيد الطهراني في “معرفة الإمام”، فيرى أن الرحمة الواسعة هي ولاية محمد وآل محمد، لأنها باب الله الذي منه يدخل العارف إلى الله، ومنه يُغدق الوجود على الأكوان.

الرحمة الحاضرة في كل زمان

إنّ المؤمن الذي يتوسّل إلى الله بهم صلوات الله عليهم، لا يفعل ذلك من باب التعلق بالأشخاص، بل لأنه يتوجّه إلى مظاهر الرحمة الإلهية الكبرى. فهم باب الله، وهم تجليات اسمه “الرحمن الرحيم”.
فحين يقول المؤمن في الدعاء:

> اللهم صل على محمد وآل محمد، وابعثنا على محبتهم، وامتنا على ولايتهم،
فإنه في الحقيقة يطلب أن يُدرج في دائرة الرحمة التي وسعت كل شيء.

خاتمة

إن الزهراء وأباها وبعلها وبنيها صلوات الله عليهم هم سرّ الوجود وقطب الرحمة، وبهم قامت السماوات والأرض، وبولايتهم يُعرف معنى الرحمة الإلهية التي لا تحدها حدود الزمان والمكان.
ومن أراد أن ينال من رحمة الله الواسعة، فعليه أن يدخل من بابها الذي نصبه الله في كتابه وسنة نبيه، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام:

«نحن باب الله الذي يؤتى منه، وبنا يُهتدى إلى الله».

فالرحمة ليست فكرة، بل هي نورٌ يسكن فيهم، ومن أحبّهم فقد دخل في ظلّ رحمة الله الواسعة…