الأحد - 14 يونيو 2026

🔷 المرجعيّة العليا في زمن الغيبة: النيابة العامة وحاكميّة الإسلام ودور المؤسسة المرجعية في توجيه الأمة .

منذ 8 أشهر
الأحد - 14 يونيو 2026

كاظم ابورغيف ||

 

 

#الملخّص

تُعدّ المرجعيّة الدينية العليا في الفكر الإمامي أحد أهمّ مظاهر الامتداد الشرعي للإمامة في زمن الغيبة الكبرى، إذ تمثّل النيابة العامة عن الإمام المهدي (عج) في بيان الأحكام الشرعية، وصيانة الدين، وتوجيه الأمة. وقد اضطلعت المرجعية العليا، بمؤازرة المراجع والعلماء المحيطين بها، بدور محوري في إدارة الحوزات العلمية، وتوجيه المجتمع، وحفظ الهوية الإسلامية في مواجهة التحديات الفكرية والسياسية.
يهدف هذا البحث إلى دراسة المرجعية العليا في بعدها الشرعي والمؤسسي والقيادي، من خلال رؤية ثلاثة من كبار مفكّري النهضة الإسلامية المعاصرة: الإمام الخميني، والسيد محمد باقر الصدر، والشهيد مرتضى مطهري، مع بيان دور المؤسسة المرجعية في حفظ التوازن بين النظرية الإمامية والواقع الاجتماعي.

#المقدّمة

يُعتبر مبدأ النيابة العامة للفقيه الجامع للشرائط من أهمّ الأسس التي قامت عليها المرجعية في الفكر الشيعي بعد الغيبة الكبرى. فقد أسّس الإمام المهدي (عج) لهذا الدور في توقيعه الشريف:

«#وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا، فإنّهم حجّة عليكم، وأنا حجّة الله عليكم».

ويُفهم من النصّ الشريف أنّ “رواة الأحاديث” لا يقتصر دورهم على بيان الأحكام الفردية، بل يشمل معالجة القضايا الكبرى التي تواجه الأمة، أي ما عبّر عنه الفقهاء بـ”الحوادث الواقعة”، وهي غالبًا ذات طابع سياسي واجتماعي. ومن هنا نشأت المرجعية العليا بوصفها الامتداد العملي للإمامة في زمن الغيبة، والنظام القيادي الذي يربط الأمة بخطّ الوحي والشريعة.

#أولًا: الأساس الشرعي للنيابة العامة

يرى الإمام #الخميني (قدس سره) أن الولاية التي يتمتّع بها الفقيه الجامع للشرائط ليست مجرّد ولاية إفتائية، بل ولاية تنفيذية – قيادية في شؤون المجتمع الإسلامي، حيث يقول:

«#الفقيه العادل في زمن الغيبة هو نائب الإمام في إقامة الحكم وتنفيذ أحكام الإسلام، وله من الولاية ما كان للرسول والإمام في إدارة شؤون الناس».

وهذا التوصيف يحدّد المرجعية العليا كإطار للحاكمية الإسلامية بالنيابة عن المعصوم (عج)، ويجعلها الركيزة الأساس لاستمرار الشريعة في بعدها الاجتماعي والسياسي، لا بوصفها سلطة دينية فحسب، بل نظامًا شاملًا لحفظ الدين وإدارة الأمة.

#ثانيًا: المرجعية العليا كحارس للهوية الإسلامية والاجتماعية

لم تنحصر وظيفة المرجعية العليا في الفتوى، بل تجاوزتها إلى صيانة الوعي الإسلامي العام في مواجهة الانحرافات الفكرية والتيارات التغريبية.
وقد أشار الشهيد مرتضى مطهري (ره) إلى أنّ استمرار الإسلام مرتبط بوجود العلماء الذين يحمون الرسالة في مواجهة التحديات الفكرية، إذ يقول:

«إنّ بقاء الإسلام في وجه الأعاصير الفكرية، إنما هو ببركة العلماء الذين حفظوا تراثه، وحافظوا على خط الإمامة حيًّا في الأمة».

كما يرى السيد محمد باقر الصدر (قدس سره) أن المرجعية الرسالية تمثّل القيادة الواعية التي «تتحرك في الأمة بوصفها أداة لتطبيق الإسلام، لا مؤسسة تقليدية تؤدي وظيفة محدودة»⁴.

لقد لعبت المرجعية العليا دورًا مصيريًا في حفظ الكيان الشيعي، خصوصًا عبر إدارة الحوزات العلمية في النجف الأشرف وقم المقدسة، وتنظيم شبكة الوكلاء، وإصدار البيانات والفتاوى التي شكّلت مواقف سياسية كبرى، مثل ثورة التنباك (1891م) وثورة العشرين في العراق (1920م)، وصولًا إلى الثورة الإسلامية في إيران (1979م).

ثالثًا: المراجع المحيطون بالمرجعية العليا ودورهم المؤسسي

المرجعية العليا، وإن كانت تتصدر الهرم الفقهي، إلا أنّها لا تعمل بمعزل عن المراجع والعلماء المحيطين بها. فالمؤسسة المرجعية هي نظام تفاعلي يقوم على تكامل الأدوار بين المرجع الأعلى ومراجع الصف الأول والعلماء المتخصصين في مختلف الفروع.
وقد أشار الإمام الخميني (قده) في إحدى رسائله إلى العلماء قائلاً:

> *«إنّ المرجعية العليا لا تتحرك إلا بأذرع العلماء الصادقين الذين يحيطون بها، فهم الامتداد الطبيعي لولايتها في الأمة»*⁵.

ويقوم هؤلاء العلماء بالأدوار التالية:

1. إدارة الحوزات العلمية ومناهجها، كما في النجف وقم، عبر ضبط المقررات، وإعداد الفقهاء، وتوجيه الطلاب.

2. نقل رؤية المرجعية العليا إلى الأمة عبر الوعظ والخطابة ووسائل الإعلام الديني.

3. إسناد المرجعية العليا في القرارات الفقهية والاجتماعية الكبرى، من خلال المشاورة والبحث الجماعي.

هذا النظام المؤسسي جعل المرجعية أكثر استقرارًا واستمرارية، بحيث لا تعتمد على شخص واحد بل على شبكة فكرية – علمية متصلة، تحقّق ما يمكن تسميته بـ”اللامركزية العلمية في إطار الوحدة المرجعية”.

رابعًا: العلاقة التفاعلية بين الأمة والمرجعية العليا

العلاقة بين الأمة والمرجعية ليست علاقة تبعية جامدة، بل علاقة شراكة تكليفية قوامها الوعي والالتزام.
يرى السيد محمد باقر الصدر في المرجعية الموضوعية أنّ الأمة تتحمّل مسؤولية إبقاء المرجعية حية وفاعلة، من خلال الوعي بخطّها وتطبيق فكرها عمليًا، لأنّ “القيادة لا تصنع النصر وحدها، بل تحتاج إلى أمة رسالية تتحرك معها”⁶.

في المقابل، حذّر الشهيد مطهري من تحوّل المرجعية إلى مؤسسة شكلية قائلاً:

> *«الناس إذا لم يدركوا رسالة المرجعية، تحولت إلى طقوس جامدة، لكن إذا وعوها، أصبحت روحًا تسري في الأمة»*⁷.

وهذا يعبّر عن علاقة تفاعلية تجعل الأمة حارسًا على المرجعية بقدر ما المرجعية حارسٌ على الأمة.

خامسًا: المرجعية العليا واستمرارية الحاكمية الإسلامية

إنّ المرجعية العليا، بمعناها الجامع، تمثّل الامتداد الواقعي لحاكمية الإسلام في غيبة الإمام، فهي الإطار الذي يجسّد ولاية الفقيه كقيادة دينية وسياسية، تحفظ الشرع وتدير مصالح الأمة.
وقد أشار الإمام الخميني إلى أنّ «بقاء المرجعية هو بقاء الإسلام»، موضحًا أنّ سقوطها يعني انهيار آخر حصون الدين⁸.

وبذلك، فإن المرجعية العليا ليست ظاهرة تاريخية بل نظامٌ مؤسسي متجدد يوازن بين القيادة الفردية والمأسسة الجماعية، ويُبقي على صلة الأمة بإمامها عبر العلماء العدول الذين هم – كما وصفهم الإمام الصادق (ع) –

*«حصون الإسلام كحصن المدينة»*⁹.

الخاتمة

تتبيّن من خلال هذا البحث حقيقة المرجعية العليا بوصفها النظام القيادي الذي يحفظ الامتداد الشرعي للإمامة في عصر الغيبة.
فهي ليست سلطة دينية منعزلة، بل قيادة ربّانية تتكامل فيها أدوار المرجع الأعلى والمراجع المحيطين والعلماء العاملين، لتؤدي وظيفة مزدوجة: حفظ الشريعة من التحريف، وحفظ الأمة من الانهيار.
ومن خلال فكر الإمام الخميني والسيد الصدر والشهيد مطهري، يظهر أنّ المرجعية العليا ليست “موقعًا فقهيًا” فحسب، بل “مشروعًا حضاريًا” يراد به إقامة حاكمية الإسلام، وتفعيل دور الأمة في حمل رسالته، انتظارًا للإمام الغائب الذي قال في توقيعه الشريف:

«وأنا حجّة الله عليكم».

الهوامش والمراجع

1. الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج، ج2، ص283.

2. الخميني، روح الله، الحكومة الإسلامية (ولاية الفقيه)، قم، دار الفكر، ص52.

3. مطهري، مرتضى، الملحمة الحسينية، ج1، ص33.

4. الصدر، محمد باقر، الإسلام يقود الحياة، ج1، ص44.

5. الخميني، روح الله، الرسائل والبيانات، ج3، ص212.

6. الصدر، محمد باقر، المرجعية الموضوعية، ضمن المرجعية والتقليد، ص27.

7. مطهري، مرتضى، مقالات إسلامية، ج2، ص119.

8. الخميني، روح الله، صحيفة الإمام، ج15، ص90.

9. الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج1، باب صفة العالم، ح2.