الأحد - 14 يونيو 2026

الحلقة الرّابعة عشر/ مات المرجع القائد الإمام الخمينيّ «قدّس سرّه»

منذ 6 سنوات
الأحد - 14 يونيو 2026



محمّد صادق الهاشميّ ||

قال تعالى: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [سورة البروج 85 : 8].
إنّ الآية المباركة تتحدّث عن أنّ هناك ثلّةً من البشر قد شَقَّ الظّالمون لهم أخدوداً في الأرض , وأضرموه بالنّار ، وأقعدوهم عليها ، ثمّ بيّنَ جريمتهم بقوله : {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}، فكان الإيمانُ بالله تعالى جريمةً استحقّ عليها هؤلاء المؤمنون هذه القِتلة الشّنيعة .
وهذه ليست حادثةً مفردةً قد مرّت في تاريخ البشرية يريد القرآن أنْ يؤرّخها ، بل هي سنّةٌ جاريةٌ في كلّ عصر ، فلقد واجه الأنبياءُ والمصلحون على مدى التّاريخ هذه الظّاهرة، ألا وهي ظاهرة الطّغاة حينما يحظرون على الأمّة حرية التّفكير والإيمان بما تقتنع ، ففرعون – مثلاً – قتل السّحرة لأنّهم آمنوا بموسى (عَلَيهِ السّلامُ) بإرادتهم : {قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ …}؟ ، واعتبر إيمانهم تآمراً على دولته فقال: {… إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا}، فكان ينبغي – بحسب نظره – أنْ لا يؤمنوا إلّا بعد أخذ موافقته .
والطّاغية الذي ابتلينا به (صدام حسين) ليس خارجاً عن هذا النّمط من التّفكير، فيجبُ على الأمّة – وخصوصاً شيعة آل محمّد (صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ) – أنْ لا يكونَ لهم فكرٌ ولا عقيدةٌ إلّا ما يمليه عليهم اليهوديّ «عفلق» ، ورحم الله إمام الشّهداء في عصره الشّهيد الصّدر الأوّل ، في النّداء الثّاني حيث أشار إلى هذه الظّاهرة بقوله : «… يزقّونها ولاء (عفلق‏) وأمثاله من عملاء التّبشير والاستعمار، بدلًا عن ولاء محمّد وعلىّ صلوات الله عليهما…» ، فكان هذا الإذلال والإستعباد جعلنا نفكّر في الخلاص من نير العبودية ، ولو كلّفنا ذلك حياتنا .
وعندما نهض الإمام الخمينيّ «قدّس سرّه» كمرجعٍ وفقيهٍ من فقهاء آل محمّد (صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ) آمنّا به ، ولم تكن علاقتنا به علاقةً سياسيةً ، ولم يكن عنده حزب دعانا هو له ، بل كان إيماننا به كرجلٍ قدّر الله له ، وأخذ على أيديه ليقيم للإسلام صرحاً ، قال الشّهيد الصّدر : «…وإذا بالحلم يصبح حقيقةً…ثمّ ينطلق من القمقم‏ ليزلزل الأرض تحت أقدام كلّ الظّالمين…إنّ الواجب على كلّ واحد منكم …أنْ يبذل كلّ طاقاته، وكلّ ما لديه من إمكانات وخدمات، ويضع ذلك كله في خدمة التّجربة، فلا توقّف في البذل والبناء يشاد لأجل الإسلام، ولا حدّ للبذل والقضية ترتفع رايتها بقوّة الإسلام…إنّ مرجعيّة السّيّد الخميني التّي جسّدت آمال الإسلام في إيران اليوم لابدّ من الالتّفات حولها، والإخلاص لها، وحماية مصالحها، والذوبان في وجودها العظيم بقدر ذوبانها في هدفها العظيم…».
ومن هذا المنطلق آمنّا بالخميني «قدّس سرّه» ، فقدّم المؤمنون كلّ غالٍ ونفيس من أجل هذا، والجلّادون يعلمون علم اليقين ذلك منّا ، فطالما سمعنا الجلّادين يشتموننا : أنتم خمينيون، أفإيماننا بالخمينيّ عمالة ، وبعفلق وطنية!!!.
وفي سجون أبي غريب – بغداد ، كان الجلّادون قد وضعوا في كلّ قسم من أقسام السّجن تلفزيوناً نسمع منه أخبار العراق والحرب الايرانية العراقية ، ويصدع رؤوسنا صدام بكلامه السّوقي وهو يقلّد رفاقه أنواط الشّجاعة، ويضحك ضحكته المعروفة التّي طالما بـ ( ها ها ها).
في تمام السّاعة التّاسعة صباحاً فُتحت أبواب السّجن كما هو معهود كلّ اسبوع ، حيث يتمّ فتح جميع الأقسام إلى السّاحات لساعةٍ واحدةٍ ، نسمع صوت التّلفزيزن وهو يسترعي الانتباه : «أيّها الشّعب العراقيّ سنذيع على أسماعكم بعد قليل نبأً سارّاً…» ، ما عسانا – السّجناء – أنْ أنْ نفكّر في هذا النّبأ السّارّ ، لا يتبادر إلى أذهانهم غير إحتمال أنْ يكونَ هو عفواً عامّا عنّا ويُطلق سراحنا ، تكرر استرعاء الانتباه من السّاعة التّاسعة إلى السّاعة العاشرة ، ثمّ أُذيع الخبر المشؤوم : «أيّها الشّعبُ العراقيّ أعلنت وكالات الأنباء وفاة الخمينيّ» .
ضجّ السّجناء بجميع الأقسام بالبكاء ، بكاءٌ لا يمكن لقلمي أنْ يصفه ، ويمكن لي أنْ أقول : إنّ كلّ سجينٍ قد جلس على الأرض يصرخ ، فكانت حالةً هستيريةً قد عشناها ، ولم يكن للخوف من الجلّادين في حينها ذرّة وجودٍ ، كان هذا حال جميع السّجناء ، صراخٌ ، وعويل…بكاء…مات الخميني … ومات الأمل …
أخونا السّجين صباح أراد أنْ يخلّصنا ممّا يتوقعه من ردود فعل الجلّادين أغرق السّاحات بالمياه عبر الخراطيم، حتى لا يستغرب الجلادون عدم خروجنا إليها، إلّا أنّه لايمكنه أنْ يسكت تلك العيون الغارقة بالبكاء… بكيت ، وبكيت ، وبكي كلّ الفقراء والمساكين والمستضعفون معنا ، لقد كان أبانا نحسّ به ونحن في زنزاناتنا ، إلّا أنّ ذاكرتي تختزن بكاء المرحوم الشّهيد «حسين الدّبي» الذي كان يبكي على طريقتنا أهل العمارة : «يايابه يابويه … يايابه يابويه… يايابه يابويه…».
ولقد عاد أملنا حيّا حينما سمعنا أنّ الخمينيّ مات جسداً ، ولم يمت فكراً بوجود و تنصيب آية الله العظمى السّيّد القائد عليّ الخامنئ دام عزّه ، فعادت لنا آمالنّا ،حينما تم تنصيبه واستعدنا أنفاسنا.
14 / شهر رمضان المبارك 1441
ـــــــــــــــــــ