🔶 المواقف السياسية الوطنية لقادة الشيعة بعد عام 2003 سلسلة توثيقية تحليلية)..!
كاظم سلمان ابو رغيف ||

🟢 المقدّمة
في هذه السلسلة نسلّط الضوء على أبرز المواقف السياسية الوطنية التي صدرت عن القادة الشيعة في العراق بعد عام 2003، أولئك الذين ثبتوا في المنعطفات الصعبة، فحافظوا على وحدة الوطن، ورفضوا احتلاله والتنديد به، ودافعوا عن سيادته في المحافل الإقليمية والدولية، وأسهموا في إرساء الدستور وثوابته الوطنية الجامعة لكلمة أبنائه من كلّ الأطياف.
ونحن إذ نكتب عن هذه المواقف، لا نأبه لما يقوله “الخُرَنْگَعِيّة” و”الرُوَيْبِضَة”، ممن اعتادوا الطعن في الرموز الوطنية وتشويه تاريخها.
🔸 من هم “الخُرَنْگَعِيّة” و”الرُوَيْبِضَة”؟
الـ “خُرَنْگَعِيّة” تسميةٌ عراقيةٌ قديمة، أُطلقت في زمن الاحتلالين العثماني والإنكليزي على من تعاون مع المحتلّين وكان من أصولٍ غير عراقيةٍ، ثم ادّعى الوطنية والعراقية بعد ذلك. وهم اليوم الامتداد نفسه لتلك الفئة التي تلوّنت وتزيّنت بالشعارات الزائفة لخدمة الأجندات الأجنبية.
أما الـ “رُوَيْبِضَة”، فهم كما وصفهم النبي ص «الرجل التافه يتكلم في أمر العامة»، أي أولئك الذين تصدّروا المشهد بلا علمٍ ولا تجربةٍ، وراحوا يخلطون بين النقد والافتراء.
🔹 إعلان السلسلة
ستكون هذه السلسلة مجموعة حلقات، تُخصَّص كلّ حلقةٍ منها لتوثيق وتحليل المواقف الوطنية لأحد القادة الشيعة الذين أسهموا في صياغة تاريخ العراق بعد 2003، وهم:
1. السيد محمد باقر الحكيم (قدس سره)
2. السيد إبراهيم الجعفري
3. السيد عبد العزيز الحكيم (قدس سره)
4. الحاج نوري المالكي
5. السيد عادل عبد المهدي
6. الدكتور أحمد الجلبي (رحمه الله)
🔸 الغاية من السلسلة
الغاية من هذه السلسلة هي إعادة قراءة التجربة السياسية الشيعية بعينٍ منصفة ووطنية، لإظهار حقيقة المواقف التي حمت العراق، وفضح حملات التضليل التي أرادت طمس دور قادته المخلصين .
🟣 الحلقة الأولى: محمد باقر الحكيم.. رجل الدولة الذي سبق زمانه
في لحظةٍ كانت فيها رياح الفوضى تعصف بالعراق، ودماء الأبرياء تملأ الشوارع بعد سقوط النظام البعثي، برز اسم السيد محمد باقر الحكيم (قدس سره) كصوتٍ وطنيٍّ شيعيٍّ رشيد، حمل مشروع الدولة لا السلطة، والوحدة لا الغلبة، والعراق لا الحزب.
لم يكن السيد الحكيم مجرد زعيمٍ ديني أو قائد فصيلٍ معارض، بل كان مهندساً لوعيٍ سياسيٍّ شيعيٍّ متوازن، يقرأ التاريخ بعين المرجعية، ويصنع المستقبل بعقل الدولة.
حين عاد إلى أرض الوطن بعد عقود من المنفى، لم يأتِ منتصراً بالسلاح، بل حاملاً مشروعاً لبناء العراق على قاعدة العدالة والمواطنة والمشاركة. قالها بوضوح: “لا نريد أن نستبدل دكتاتورية بأخرى، بل نريد دولة تحترم الجميع.”
في زمنٍ كانت فيه الطائفية تُغري البعض بالانتقام، كان هو يدعو إلى التهدئة وضبط النفس، لأن دماء العراقيين عنده كانت أقدس من كل حسابٍ سياسي.
وحين ارتفعت أصوات الثأر، كان يذكّر أتباعه أن الشيعة لا يثأرون، بل يصلحون، وأن النصر الحقيقي هو بقاء العراق لا سقوط الآخرين.
لم يكن السيد الحكيم من رجال الشعارات، بل من رجال المشاريع والرؤى. دعا إلى كتابة دستورٍ يعبّر عن هوية العراق الإسلامية ويحفظ تعدده، وحذّر مبكراً من خطر الاحتلال الأمريكي إن لم يُضبط بمشروع وطني عراقي جامع.
وفي كل خطابٍ كان يزرع وعياً: أن الشيعة ليسوا طارئين على الوطن، بل هم عماده، وأن مسؤوليتهم لا تنحصر في حقوقهم بل في حماية الكيان العراقي كله.
رحل السيد الحكيم شهيداً في النجف الأشرف، في لحظةٍ لم تكن فيها البلاد قد تعافت من صدمة التغيير، فترك فراغاً كبيراً، لم يملأه أحد بنفس الحكمة والاتزان والرؤية.
لكن إرثه بقي: في خطاب الاعتدال، وفي فكرة أن الشيعيّ الواعي لا يُختزل في مذهبه، بل يُعرف بقدرته على أن يكون مشروع وطن.
🔶 أثر استشهاده في الوعي الشيعي السياسي
كان استشهاد السيد محمد باقر الحكيم منعطفاً حاسماً في الوعي الشيعي بعد 2003؛ إذ شكّل أول اختبارٍ حقيقي لفكرة القيادة المسؤولة في مرحلة ما بعد الطغيان.
فبينما أرادت قوى العنف أن تزرع الخوف والانقسام باغتياله، تحوّل دمه إلى جسرٍ من الوعي والصلابة داخل المجتمع الشيعي، وإلى رسالةٍ بأن خطّ المرجعية لا يُطفأ باغتيال رجاله، بل يتجذر أكثر في النفوس.
ومن رماد التفجير خرجت مدرسة الحكيم الثانية، يقودها أخوه السيد عبدالعزيز الحكيم (قدس سره)، حاملةً ذات الرسالة: أن حماية العراق هي جوهر الهوية الشيعية السياسية، وأن الدولة لا تُبنى بالردود الانفعالية، بل بالرؤية والموقف والتضحية.




