من دجلة حسين الجياشي إلى مستنقع الطائفية… كيف يوحّدنا الألم وتفرّقنا الشعارات؟!
ضياء ابو معارج الدراجي ||

حين غرق الشاب حسين الجياشي في نهر دجلة مقابل الكريعات، لم يكن مجرد حادث مؤلم، بل امتحان لضمير العراق. في لحظة واحدة، سقطت كل الأقنعة، وتحرّكت البلاد من شمالها إلى جنوبها كجسد واحد.
غواصون من هيت والرمادي تركوا بيوتهم، وجاؤوا رجال من كردستان وديالى والبصرة والنجف، وشاركت الشرطة والجيش وسرايا السلام والحشد الشعبي في البحث عنه. لم يُسأل أحد عن مذهبه أو منطقته أو حزبه، لأن اسم حسين وحده صار علماً على الوطن، وصوت أمه الذي شقّ الفضاء من الكريعات إلى زاخو والفاو، أبكى العراق كلّه.
في ذلك المشهد الصادق لم يكن هناك «شيعي» و«سني» و«كردي» و«مسيحي»؛ كان هناك عراقي فقط.
عكس العفن السياسي يطفو على سطح التنافس الانتخابي و لغة الانقسام وشعارات الغرور: «نحن أمة»، «أحفاد الصحابة»، «بغداد لأهلها».
كلمات ملوثة تُقال ببرود، وكأنها لا تدرك أنها تغتال ما تبقى من وجدان الوطن.
من يرفع هذه الشعارات لا يريد عراقاً موحداً، بل يبحث عن أصواتٍ تُشعل به نيران الطائفية كل موسم انتخابي.
يتحدثون عن “الأمة” وكأنهم أوصياء على الله، وعن “بغداد” وكأنها وُجدت بقرار عشائري.
يتجاهلون أن بغداد التي يتغنون بها شيّدها كل العراقيين، وصلّى فيها الجميع، ودُفن في ترابها أولياء من كل المذاهب.
يتناسون أن العتبة الكاظمية التي يمرون قربها اليوم أقدم من تاريخ أحزابهم وعشائرهم مجتمعة.
وللتاريخ نقولها بلا مجاملة:
إن الشيعة، وهم الأغلبية الساحقة في العراق، لم يحكموا بعقلية الانتقام أو الإقصاء.
فتحوا أبواب الدولة لكل المكونات، وتقاسموا الوزارات والمناصب حتى مع من كان بالأمس يقاتل ضدهم.
كان بإمكانهم أن يجعلوا الحكم حكراً عليهم، لكنهم اختاروا الشراكة، وصبروا على المساومات، حتى لا تُعاد مأساة التقسيم والدم.
ومع ذلك، لا يزال هناك من يقتات على التحريض، ويبحث عن فتنة جديدة حين تفشل مشاريعه في كسب الشارع.
آخر هذه المحاولات كانت جريمة اغتيال عضو مجلس محافظة بغداد صفاء المشهداني، التي خُطط لها بذكاءٍ خبيث لإشعال فتنة طائفية ضد الحشد الشعبي في الطارمية.
لكنّها سقطت عندما كشفت التحقيقات أن منفذي العملية ثلاثة من أقربائه — أبناء عمومته — من عشيرة المشاهدة، ودليمي، وجنابي.
أرادوا اتهام الحشد ليصنعوا منها صراعاً بين الشيعة والسنة، لكن الحقيقة عرّت وجوههم، وفضحت من أراد تحويل دم رجلٍ إلى وقودٍ لانتخاباتٍ قذرة.
ما بين غرق حسين الجياشي واغتيال صفاء المشهداني يقف العراق على حافة مفارقة مريرة:
شعب يوحّده الموت والرحمة، وساسة تفرّقهم الحياة والسلطة.
الناس تخرج لتُنقذ شاباً لا تعرفه، بينما السياسيون يصنعون خطاباً يقتل من يعرفونه جيداً.
في نهر دجلة كان العراق طاهراً مثل الماء،
وفي منابر السياسة صار عكِراً كمستنقعٍ لا حياة فيه.
رحم الله حسين الجياشي الذي علّمنا معنى العراق،
ورحم الله صفاء المشهداني الذي كشف لنا من الذي يتاجر بالدم،
ولعن الله من يحاول أن يغرق هذا الوطن في طين الطائفية بعد أن غسله الناس بدموع أم حسين.
ضياء ابو معارج الدراجي




