الخميس - 18 يونيو 2026

منجزات السابع من أكتوبر: قراءة أكاديمية في التحول السياسي والقيمي للقضية الفلسطينية..!

منذ 8 أشهر
الخميس - 18 يونيو 2026

كاظم سلمان ابو رغيف ||

المقدمة

يُعدّ السابع من أكتوبر 2023 يوماً مفصلياً في التاريخ المعاصر للصراع العربي–الصهيوني، إذ أعاد الحدث توجيه بوصلة الرأي العام العالمي، وأجبر المؤسسات السياسية والإعلامية والحقوقية على إعادة النظر في ثوابتها تجاه القضية الفلسطينية.
جاءت عملية طوفان الأقصى بوصفها نقطة انعطاف تاريخية تجاوزت الأبعاد العسكرية، لتتحول إلى حدث كاشفٍ لأنساق الهيمنة الغربية، ومؤسسٍ لمرحلة جديدة من الوعي العالمي بالقضية الفلسطينية.
من هنا، تحاول هذه الدراسة قراءة المنجزات الواقعية والمعنوية التي حققها هذا الحدث على المستويين السياسي والأخلاقي.

المشكلة البحثية

رغم كثافة التناول الإعلامي والسياسي لحدث السابع من أكتوبر، إلا أن غالبية الدراسات اقتصرت على البعد العسكري والأمني، متجاهلةً آثاره الاستراتيجية والقيمية.
لذلك تتمحور الإشكالية البحثية حول السؤال الرئيس:

> ما أبرز المنجزات السياسية والرمزية التي حققها السابع من أكتوبر في ضوء التحولات الدولية تجاه القضية الفلسطينية؟

أهمية البحث

تنبع أهمية هذا البحث من كونه يحاول تفسير التحول العالمي في الخطاب تجاه فلسطين بعد السابع من أكتوبر، وتوثيق اللحظة التي تَعرّى فيها التحالف الأميركي–الإسرائيلي أمام الرأي العام الدولي، بوصفها أهم نقطة كشف أخلاقي في القرن الحادي والعشرين.

فرضيات البحث

1. إنّ السابع من أكتوبر كشف الهوية الصهيونية للنظام الأميركي، وأنه لم يعد وسيطاً بل طرفاً أصيلاً في الصراع.

2. إنّ الحدث أدى إلى عزلةٍ دوليةٍ للمنظومة الغربية التي تماهت مع الاحتلال.

3. إنّ القضية الفلسطينية استعادت بعدها الإنساني التحرري بعد عقودٍ من التهميش الإعلامي.

4. إنّ المحكمة الجنائية الدولية مثّلت الإطار القانوني الأول لمحاسبة قادة إسرائيل، وهو منجز معنوي ذو بعد حضاري.

منهج البحث

اعتمدت الدراسة المنهج التحليلي–الوصفي القائم على تحليل الخطاب السياسي والإعلامي الدولي، واستقراء المواقف القانونية والحقوقية الصادرة عن المؤسسات الأممية، إضافةً إلى مراجعة التقارير الصادرة عن مراكز الدراسات الغربية والعربية خلال عامي 2023–2024.

أولاً: كشف الهوية الصهيونية للنظام الأميركي

أظهر الحدث بوضوح أنّ الولايات المتحدة لم تكن يوماً راعياً للسلام، بل الضامن الاستراتيجي لبقاء الكيان الصهيوني.
إذ سارعت واشنطن إلى إرسال حاملات طائراتها لدعم إسرائيل، ومنعت قرارات مجلس الأمن المطالِبة بوقف إطلاق النار.
هذا الموقف أزال الغموض الذي كان يغلف السياسة الأميركية، وأكّد تبنيها الكامل للعقيدة الصهيونية.

> “إنّ الموقف الأميركي من حرب غزة يمثل سقوطاً أخلاقياً لمشروع الديمقراطية الليبرالية في بعدها الإنساني.”
— Foreign Affairs، شباط 2024.

ثانياً: العزلة الأخلاقية والسياسية للنظام الأميركي–الإسرائيلي

شهدت الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال عام 2023–2024 تصويتاً غير مسبوق ضد الموقف الأميركي في الشأن الفلسطيني، حيث امتنعت أو عارضت أكثر من 150 دولة الدعم الأميركي لإسرائيل.
كما تحولت المظاهرات العالمية إلى ظاهرة متكررة في الجامعات الغربية الكبرى مثل هارفرد، كولومبيا، السوربون، مطالِبةً بوقف الإبادة في غزة.
وهكذا تحوّل السابع من أكتوبر إلى لحظة عزلة أخلاقية للنظام الغربي أمام ضميره الداخلي.

ثالثاً: إعادة تعريف القضية الفلسطينية

لم تعد فلسطين في الوعي العالمي “نزاعاً سياسياً”، بل قضية تحرر وطني ضد استعمار استيطاني.
المقاومة الفلسطينية، التي لطالما وُصفت بالإرهاب، باتت تُقدَّم اليوم في الخطاب الحقوقي بوصفها حقاً طبيعياً في مقاومة الاحتلال وفقاً للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة.
وساهم الإعلام المستقل ومواقع التواصل في فضح التضليل الإسرائيلي وإبراز معاناة المدنيين.

> “لقد استعاد الفلسطينيون مركزيتهم الأخلاقية في الوعي الإنساني بعد عقود من العزلة السياسية.”
— مركز دراسات الشرق الجديد، بيروت 2024.

رابعاً: الإدانة القانونية الدولية لنتنياهو

في أيار/مايو 2024، أعلن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان عزمه إصدار مذكرة توقيف بحق رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه غالانت بتهم جرائم حرب وإبادة.
يمثل هذا القرار منعطفاً قانونياً غير مسبوق في تاريخ الصراع، إذ لأول مرة يخضع قادة إسرائيل لمسار العدالة الدولية، ما يُعد انتصاراً معنوياً لفلسطين واعترافاً ضمنياً بعدالة قضيتها.

النتائج والاستنتاجات

1. السابع من أكتوبر حدث كاشف لا مدمّر، فضح زيف الخطاب الغربي حول الحرية وحقوق الإنسان.

2. القضية الفلسطينية استعادت موقعها العالمي بوصفها قضية تحرر إنساني، لا مجرد نزاع حدودي.

3. تراجع الهيمنة الإعلامية الصهيونية في المنصات الغربية، وظهور خطاب نقدي داخل مؤسساتهم الأكاديمية.

4. التحول في الرأي العام العالمي نحو التعاطف مع الفلسطينيين يمثل منجزاً سياسياً يفوق المكاسب العسكرية.

5. المحكمة الجنائية الدولية دشّنت بداية المسار القانوني لمحاسبة إسرائيل، وهو مكسبٌ معنوي في ميزان العدالة الدولية.

الخاتمة

إنّ السابع من أكتوبر لم يكن يوماً عابراً في التاريخ السياسي للمنطقة، بل مفصلاً حضارياً أعاد تعريف العدل في سياقٍ عالميٍ تسيطر عليه قوى الهيمنة.
ولو لم يكن لهذا اليوم إلا أنه:

كشف الصهيونية الأميركية،

وعزل المعتدين أخلاقياً،

وأعاد الاعتبار للقضية الفلسطينية،

وأدخل نتنياهو بوابة الاتهام الدولي،

لكفاه أن يكون منجزاً إنسانياً أعاد للضمير العالمي وعيه، وللتاريخ بوصلته.

 

المصادر والمراجع

1. المحكمة الجنائية الدولية، بيان المدعي العام كريم خان حول مذكرات التوقيف في القضية الفلسطينية، لاهاي، 20 مايو 2024.

2. مركز دراسات الشرق الجديد، تحولات الخطاب الدولي بعد طوفان الأقصى، بيروت، 2024.

3. الأمم المتحدة – مجلس حقوق الإنسان، تقرير الانتهاكات الإسرائيلية في غزة، جنيف، مارس 2024.

4. Foreign Affairs، The Gaza War and the Collapse of U.S. Moral Leadership، فبراير 2024.

5. The Guardian، Israel’s Narrative Under Fire، ديسمبر 2023.

6. Le Monde Diplomatique، Le Retour de la Palestine sur la scène mondiale، يناير 2024.