أزمة إسرائيل الكبرى..!
عادل الجبوري ||

ربما كان مشهد تزامن صعود رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لمنصة الجمعية العامة للأمم المتحدة، في السادس والعشرين من أيلول-سبتمبر الماضي، لإلقاء كلمة كيانه، مع مغادرة أغلب الوفود الدولية المشاركة، لقاعة اجتماعات الدورة الثمانين للجمعية العامة، أبلغ وأوضح مؤشرا على عمق وخطورة الازمة السياسية والدبلوماسية، التي تواجهها إسرائيل، بعد عامين من الفشل في حسم أي من ملفاتها العالقة، أو تحقيق أي هدف من الأهداف التي حددتها بعد كارثة السابع من تشرين الأول-أكتوبر 2023.
لعل التعبيرات والتوصيفات المخجلة، التي اطلقتها بعض وسائل الاعلام والاوساط السياسية الإسرائيلية، عكست الصورة الحقيقية للواقع، بعيدا عن الخداع والتضليل والتزويق والتلميع.
فكما قالت مراسلة القناة 13 الإسرائيلية، “عندما يغادر الدبلوماسيون الأجانب القاعة واحدا تلو الآخر فور بدء خطاب نتنياهو، فإنهم لا يبصقون في وجه نتنياهو، بل يبصقون في وجه إسرائيل”!. وكما قال زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد “إن العالم شهد اليوم رئيس وزراء إسرائيليا منهكا ومتذمرا في خطاب مثقل بالخدع».
وبينما هاجم نتنياهو من على منبر المنظمة الدولية، أوروبا ووصفها بأقذع وأبشع الأوصاف، لأن الكثير من دولها قررت الاعتراف بالدولة الفلسطينية، أخذت العزلة الإسرائيلية تتسع، لتتجاوز المساحات السياسية وتصل إلى ميادين الرياضة والثقافة والاقتصاد.
منذ بدايات أيلول- سبتمبر الماضي، مرت على الكيان الصهيوني، وعلى رئيس وزرائه بالتحديد، الكثير من الكوابيس المزعجة، التي لم تفلح آلة القتل والتدمير والاجرام في غزة بالتقليل والتخفيف منها.
الملفت في ذلك، أن الدول التي أعلنت الاعتراف بالدولة الفلسطينية، تصنف تقليديا ضمن خانة حلفاء الكيان الصهيوني، مثل بريطانيا وفرنسا والمانيا، أو أصدقائه، مثل هولندا والدانمارك والنرويج، أو بأدنى تقدير، ترتبط بعلاقات جيدة وطيبة معه، مثل استراليا وكندا وإيطاليا والهند والمكسيك. علما أن هناك دولا من أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، كانت قد اعترفت بدولة فلسطين العام الماضي.
قد لا تؤدي مثل هذه الخطوات إلى تغييرات عملية على ارض الواقع، ولن تفضي إلى احداث تأثير فعلي ملموس على مسارات ومآلات الصراع الدائر في فلسطين، وما يرتبط به من جرائم ومجازر وحشية لا يتورع الكيان الصهيوني عن ارتكابها يوميا ضد أبناء الشعب الفلسطيني منذ اندلاع معركة “طوفان الأقصى” قبل حوالي عامين. إلا أن مجرد اعتراف دول مهمة ومؤثرة ومعروف عنها دعمها واسنادها التقليدي لتل ابيب، بدولة فلسطين ولو شكليا ورمزيا، تسبب بإزعاج وقلق غير قليل لكبار قادة الكيان وصناع القرار فيه.
هذا التوجه تبلور كنتيجة طبيعية لتداعيات الأوضاع السياسية والإنسانية في قطاع غزة، وتفاقم الأمور بدرجة اكبر بدلا من حل أو حلحلة الأزمة.
ولعل ردود الفعل الحادة الانفعالية والغاضبة من قبل نتنياهو وبعض مسؤولي حكومته، كانت كافية لاظهار مدى تأثير تلك المواقف والتوجهات من الناحية السياسية والمعنوية على الكيان الصهيوني. وهي تمثل بشكل أو بآخر ادانة واضحة، ورفضا صريحا لسياساته التدميرية والاجرامية.
ومجرد وصول الأمور إلى هذه النقاط الحرجة والمنعطفات الخطرة، فهذا يعني تعمق واتساع المأزق الصهيوني، الذي كشف عن ضعف وخواء وهشاشة الكيان الغاصب. فمنذ انطلاق معركة “طوفان الاقصى” في السابع من تشرين الأول-أكتوبر 2023، من خلال ضربة قاصمة وجهتها حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) للمنظومة العسكرية والأمنية للكيان،
لم يفلح الأخير بحسم أي ملف أو تحقيق أي من الأهداف التي حددها وأعلنها، فحماس التي كان يراهن على انهائها والقضاء عليها بالكامل، لاسيما بعد اغتيال كبار قياداتها الميدانية والسياسية، نجحت في جرّه إلى حرب استنزاف ومستنقع وحل عميق، لا يعرف سبيلا للخروج منه. وهو يفكر بالهروب إلى الامام، عبر توجه نتنياهو إلى احتلال قطاع غزة عسكريا، لتخليص نفسه قبل انقاذ كيانه، وهذا ما يرفضه رفضا قاطعا قادة عسكريين وامنيين كبار، في مقدمتهم رئيس هيئة اركان الجيش “ايال زامير”، ووزير المالية “بتسلئيل سموتريتش”،
وكذلك كبار قيادات المعارضة، ناهيك عن ان خبراء اقتصاديين أكدوا أن أي خطوات عسكرية تصعيدية تجاه قطاع غزة يمكن ان تكبد إسرائيل خسائر اقتصادية هائلة، تضاف إلى خسائرها السياسية والعسكرية، لتفتح الباب للمزيد من التصدعات والاهتزازات في الجبهة الداخلية المتصدعة هي من الأساس. حيث تتوقع أوساط إسرائيلية ان تبلغ كلفة احتلال غزة عسكريا حوالي خمسة وخمسين مليار دولار سنويا، وهذا الرقم في حال اضيف إلى الأرقام السابقة، سيكون شيئا مهولا جدا، وتداعياته كارثية ومرعبة.
واذا كان نتنياهو يفكر في كيفية انقاذ نفسه والخروج من المأزق بأي ثمن، فإن قضية الرهائن المتبقين في قبضة حماس حتى الان، قد تسرع في الإطاحة به. والاعتراف بالدولة الفلسطينية، حتى وان كان شكليا، فإنه يمكن ان يكون عاملا ضاغطا على كل المنظومة السياسية والأمنية الصهيونية، وليس على نتنياهو لوحده، اما اجتياح غزة واحتلالها عسكريا فهو بلا ادنى شك سوف يغرق كل الكيان في مستنقع الازمات، وحينذاك ربما يكون ثمن التراجع والانسحاب اعلى بكثير من كلفة التقدم والاندفاع.
وبصرف النظر عن أي اتفاق لوقف اطلاق النار، أو التهدئة، أو الهدنة، فإن حقائق ومعطيات ما بعد الحرب لن تكون هي ذاتها التي كانت قبل الحرب. واغلب الظن ان نتنياهو لن يفلح في العام المقبل بإلقاء خطاب ممل امام مقاعد فارغة من على منبر المنظمة الدولية.




