إجازة أمير المؤمنين (عليه السلام) لسلمان الفارسي وحذيفة بن اليمان في ولاية المدائن
كاظم سلمان ابو رغيف ||

ورقة بحثية
إجازة أمير المؤمنين (عليه السلام) لسلمان الفارسي وحذيفة بن اليمان في ولاية المدائن في عهد عمر بن الخطاب: دراسة تاريخية – فقهية – فكرية
تمهيد :-
تحتلّ شخصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) مكانة محورية في التاريخ الإسلامي، ليس فقط بصفته الخليفة الرابع عند جمهور المسلمين، بل باعتباره الإمام الحق عند الشيعة الإمامية الاثني عشرية. وتُثير علاقته بالأنظمة السياسية التي سبقته أسئلة معقدة في مجال الشرعية والموقف العملي من تلك السلطات. ومن أبرز الوقائع التي عكست هذا التداخل مسألة إجازته (ع) لسلمان الفارسي وحذيفة بن اليمان بتولي ولاية المدائن في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب.
تكتسب هذه الحادثة أهميتها من كونها تكشف أبعاداً فقهية (الشرعية)، وسياسية (التعامل مع الواقع)، وفكرية (المنهج العملي للإمام)، وهي ما يجعلها حاضرة في النقاشات المعاصرة حول العمل السياسي في ظل الأنظمة غير الشرعية.
………
أولاً: خلفية تاريخية – ولاية المدائن
كانت المدائن (قرب بغداد اليوم) العاصمة الشتوية للفرس الساسانيين بعد سقوط تيسفون، ثم تحوّلت بعد الفتح الإسلامي إلى مركز إداري وعسكري مهم في العراق.
عهد عمر بن الخطاب إلى عدد من كبار الصحابة إدارة هذه المدينة لخطورتها الاستراتيجية، ومنهم سلمان الفارسي ثم حذيفة بن اليمان.
…….
ثانياً: سلمان الفارسي وإذن الإمام علي (ع)
. الرواية التاريخية
روى الطبرسي في الاحتجاج:
> “إنّ عمر أراد أن يستعمل سلمان على المدائن، فقال سلمان: لا أعمل عليها حتى يأذن لي مولاي علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فاستأذن علياً (ع) فأذن له، فتولاها.”[1]
كما أورد الصدوق في الخصال خبراً مقارباً يؤكد هذا المعنى.[2]
2. التحليل
موقف سلمان يعكس التزامه بشرعية الإمام، فلا يرى لنفسه أن يقبل منصباً إلا بإذن علي (ع).
إجازة الإمام (ع) تعبّر عن فقه المصلحة؛ إذ لم يكن راضياً عن أصل النظام القائم، لكنه أذن لأحد خواصّه بالعمل لحماية مصالح المسلمين.
…………..
ثالثاً: حذيفة بن اليمان
1. التولية
بعد وفاة سلمان (سنة 35 هـ تقريباً)، عُيّن حذيفة بن اليمان والياً على المدائن. وقد نقل المجلسي في بحار الأنوار أنّه استأذن أمير المؤمنين (ع) في ذلك، فأجازه.[3]
2. مواقفه
كان حذيفة معروفاً بولائه للإمام علي (ع)، حتى ورد أنّه كان يعلن في المدائن: “علي أمير المؤمنين حقاً”.[4]
بذلك شكّلت ولايته امتداداً لخط سلمان: قبول المنصب بغطاء إذن الإمام.
رابعاً: البعد الفقهي والسياسي
1. في الفقه الإمامي
هذه الحادثة تُظهر أنّ مصدر الشرعية هو إذن الإمام المعصوم، لا مجرد قرار الخليفة أو السلطان.
الإمام الخميني (قده) استشهد بهذه النماذج في الحكومة الإسلامية، معتبراً أنّ العمل في مؤسسات الدولة لا يكون شرعياً إلا إذا كان تحت ولاية الإمام أو نائبه الفقيه الجامع للشرائط.[5]
2. في السياسة العملية
لم يسع الإمام إلى صدام مباشر مع السلطة في كل موضع، بل سمح لأتباعه بالمشاركة المشروطة لحماية المسلمين.
السيد الخامنئي يشير في دروسه إلى أنّ هذا يكشف عن فقه المرونة والمصلحة الذي مارسه الإمام (ع): تثبيت المبدأ من جهة، وتجنّب تعطيل مصالح الناس من جهة أخرى.[6]
………..
خامساً: الدلالات الفكرية في معالجة المطهري
مرتضى المطهري في كتابه العدل الإلهي يرى أنّ مثل هذه الوقائع تكشف عن واقعية الإسلام السياسية؛ إذ لا يكتفي بالمبادئ النظرية، بل يقدّم حلولاً عملية للظروف غير المثالية.[7]
هذا التفسير يجعل إجازة الإمام لسلمان وحذيفة نموذجاً لفهم التوازن بين “الشرعية” و”المصلحة” في الفكر الإمامي.
خلاصة الورقة:-
إنّ إجازة أمير المؤمنين (عليه السلام) لسلمان الفارسي وحذيفة بن اليمان في ولاية المدائن ليست حادثة عابرة، بل محطة كاشفة عن:
1. مصدر الشرعية: أنّها بيد الإمام الحق لا غيره.
2. فقه المصلحة: أنّ الإمام أجاز الولاية لحفظ الإسلام والمجتمع.
3. المنهج الواقعي: الجمع بين الحفاظ على المبدأ والتعامل مع الواقع.
وقد استثمر الفقهاء المعاصرون هذه الواقعة لتأسيس الموقف من العمل السياسي في الحكومات غير الشرعية، خصوصاً في إطار نظرية ولاية الفقيه.
………….
📚 المصادر والهوامش
[1]: الطبرسي، الاحتجاج، ج1، ص257، مؤسسة الأعلمي، بيروت، 1403هـ.
[2]: الشيخ الصدوق، الخصال، ص537، تحقيق علي أكبر الغفاري، جماعة المدرسين، قم، 1403هـ.
[3]: المجلسي، بحار الأنوار، ج22، ص344، مؤسسة الوفاء، بيروت، 1404هـ.
[4]: ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج2، ص50، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1965م.
[5]: الخميني، روح الله، الحكومة الإسلامية (ولاية الفقيه)، ص65–70، دار الطليعة، بيروت، 1979م.
[6]: الخامنئي، علي، الفقه والدولة الإسلامية (دروس فقهية)، ج1، ص112–115، دار الثورة الإسلامية، طهران، 1999م.
[7]: المطهري، مرتضى، العدل الإلهي، ص212، دار صدرا، طهران، 1984م.




