الأربعاء - 17 يونيو 2026
منذ 9 أشهر
الأربعاء - 17 يونيو 2026

أمين السكافي (صيدا -لبنان) ||

 

 

 

عندما غنّت السيدة فيروز إحدى أجمل أغنياتها، والتي تقول فيها: «الآن، الآن وليس غداً أجراس العودة فلتقرع»، لم يستمع إليها أحد من هذه الأمة التي دخلت في سباتٍ عميق تزامن مع إنشاء دولة الكيان الغاصب. هذا الكيان جعل من هذه الأمة أمة استهلاكية بكل معنى الكلمة، أمة أشبه بالموتى؛ وهنا يصح عليها قول الشاعر: «لو ناديت حيًّا لأجاب، ولكن لا حياة لمن تنادي». إلا قلةٌ قليلة من هذا المحيط العربيّ والإسلامي آلت على نفسها تلبية نداء الإنسانية بالدرجة الأولى، وكمسلمين وعرب بالدرجة الثانية، وكجيرانٍ لأسوأ جارٍ وجد منذ خلق الله الأرض والحياة عليها.

طبول الحرب تقرع من واشنطن إلى تل أبيب، وكأن عدد الشهداء في غزة الذي بلغ ما يقارب سبعين ألفاً —غالبيتهم من الأطفال والنساء والعجزة— الذين قضوا إمّا قصفاً وإمّا قنصاً وإمّا جوعاً، هذا عدا عن العدد الهائل من الجرحى والمعاقين، ودمار شبه كلي لقطاع غزة المحاصر منذ سنتين. هذه النتيجة، على بشاعتها وهمجيّتها، لم ترضَ سيد البيت الأبيض؛ فهو قد وجّه ما يشبه الإنذار الأخير لمقاتلي المقاومة الفلسطينية بوجوب إلقاء سلاحهم والدخول تحت الإرادة السياسية والعسكرية لدولة الاحتلال، وإلا فإن ما ينتظرهم سيكون عنفاً غير مسبوق من الصهاينة مدعوماً بكل مخازن السلاح الأميركي، وطبعا بالتغطية الإعلامية والدبلوماسية للكيان لكي يفعل ما يشاء.

وبما أن حلفاء غزة المحدودين وسط هذا العالم الشاسع هم أولاً إيران، ومن ثم حزب الله وأنصار الله وما تبقّى من حشد شعبي، أما بالنسبة لسوريا فقد أعلنها الشرع واضحة جلية لا لبس فيها: الناس على دين ملوكهم، وأنه هو على دين ولي العهد السعودي الذاهب جرياً إلى التطبيع. أما بالنسبة لأفكار داعش وبعدها «النصرة» التي للقاعدة بيعة في عنقها، فهم لا يرون في اليهود أعداء، حتى الآية التي نزل بها الوحي على الرسول الأعظم: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا… الْيَهُودَ} يحاول ملوك ورؤساء الدول الإسلامية إيجاد تفسيرات مختلفة لها كي لا يغضبوا منهم العمّ سام، خاصة أنهم لا يستطيعون حذفها بما أن الله تعالى حسم الأمر بقوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}.

أما بالنسبة للجمهورية الإسلامية، فعلى ما يبدو أن الصراع ما بينها وبين العدو الصهيوني سيتجدد بدعم من المعسكر الغربي؛ لأن المعادلة واضحة بالنسبة للصهاينة وحلفائهم: طالما النظام الإسلامي قائم في إيران، فالدعم سيبقى مستمراً لفصائل المقاومة الفلسطينية وباقي المحور، وهذا ما لن تستطيع إسرائيل تحمله على المدى البعيد. فرغم كل الخسائر على جبهات المحور، فقد نالت إسرائيل نصيبها من الدمار والقتلى، وعاشت منذ سنتين في خوف وقلق ورعب مستمرين؛ وهذا ما لا يستطيع المستوطن الإسرائيلي تحمّله. فبغضّ النظر عن كل شيء، فمدة السنتين هي أطول مدة يضطر فيها الكيان إلى الهجوم والدفاع على أكثر من جبهة، من أبابيل إيران إلى سجيل اليمن ولبنان والعراق.

الآن: ما هي استعدادات إيران للحرب؟ وهل ستستطيع أن تكون نداً للكيان وحلفائه؟ وهل سيدخل طرف ثالث الحلبة من حلفاء إيران؟ ستكشف لنا الأيام القادمة، إذا ما وقعت الحرب، عن الكثير من الأجوبة.

بالنسبة لطائفة المواجهة في لبنان، فالأمور ليست باليسيرة. هذه الطائفة التي أخذت على عاتقها المشاركة في المقاومة في بدايتها واستكمالها بالتحرير، آلت على نفسها أن تمضي بعكس تيار أمة المليارين الغافلين، والذين وصفهم الرسول الأعظم بأنهم «كغثاء السيل». فهي اليوم على مفترق طرق ثلاث:

أولها أن تقوم بتسليم سلاحها وانتظار الرأفة والرحمة من عدو لا عهود له ولا مواثيق، وقد يقدم بعد تسليم السلاح على ارتكاب مجازر وحشية كما حصل عام 1982 في صبرا وشاتيلا عند خروج منظمة التحرير؛
الأمر الآخر أن تحتفظ المقاومة بسلاحها، وأن تكون قد أعادت بناء الجزء الأكبر من ترسانتها —أفراداً وسلاحاً—، وهذا ما يتناسب مع عقيدتها الكربلائية التي تفضّل الشهادة على المذلة وتربت على فكر يقول إن الحياة وقفة عز .
وثالثهما، وهذا أخطر الطروحات، أن تضطر المقاومة لفرض أمر واقع بسلاحها وعديدها داخل البلد لكثرة الضغط عليها، ومن مثال أحرجوه فأخرجوه —ونتمنى ألا تصل المقاومة إلى هنا—.

وأن يهيئ الله مخرجاً ينصر به عباده المؤمنين.