خطاب الشتيمة لا يُسقط دولة: العراق بين إفلاس السياسة وأنحدار الكلمة..!
طه حسن الأركوازي ||

منذ بدايات الرسالة الإسلامية ، وُضع ميزان واضح للكلمة وحدودها “فالكلمة الطيبة صدقة” ، والسباب فسوق ، كما جاء في قول الرسول الأكرم (صلوات الله عليه وعلى آله) : “سباب المسلم فسوق وقتاله كفر”.؟
هذا المبدأ لم يكن مجرد وعظ أخلاقي ، بل قاعدة تأسيسية لمدنية الحوار وضبط الخلاف ، حتى لا يتحول أختلاف الآراء إلى عداوات شخصية تجُر المجتمع إلى الانقسام والاحتراب .
غير أن المشهد العراقي اليوم يكشف تراجعاً خطيراً في ثقافة الخطاب العام ، حيث بات السب والشتم والتهجم وسيلة رائجة لدى بعض الفاعلين في الساحة السياسية والإعلامية بل وحتى بين الجمهور في فضاءات التواصل الاجتماعي ، والمفارقة أن البعض يتوهم أن التهكم والإسفاف الفكاهي ، أو الهجوم المباشر المقرون بالكلمات السوقية ، قادر على إسقاط نظام سياسي متجذر أو كسب تعاطف الناس ، في حين أن التجربة أثبتت أن هذه الأساليب لا تحصد سوى النفور وفقدان المصداقية .
إن أنتشار هذه الظاهرة يعكس بوضوح حالة الإفلاس السياسي والفكري لبعض الأطراف ، التي حين تعجز عن طرح برامج أو رؤى إصلاحية تلجأ إلى لغة الانحدار لتعوّض عجزها ، فبعض من يحسبون أنفسهم على الصف السياسي ، بدلاً من أن يمارسوا دورهم في بناء وعي عام أو تقديم بدائل واقعية أختاروا أن يملؤوا فضاء النقاش العام بضجيج لا ينتج سوى الكراهية والانقسام ، وهكذا تحول الفضاء السياسي ومنه الى منصات التواصل الاجتماعي التي كان يفترض أن تكون منابر للحوار وتبادل الأفكار ، إلى ساحات لتصفية الحسابات وتفريغ الأحقاد والعقد النفسية ، تحت غطاء “حرية التعبير”.
إن خطورة هذا المشهد تكمن في أنه يرسخ ثقافة سطحية تستهين بالمسؤولية الأخلاقية للكلمة ، وتُطبع المجتمع على قبول خطاب الإساءة بدل خطاب الرأي ، وحين يصبح السب والشتم هو القاعدة السائدة في النقاش ، فإن ذلك لا يؤدي إلى إصلاح ولا يفتح آفاق التغيير ، بل يُضعف ثقة الناس بالسياسة والسياسيين ، ويدفع المواطن العادي إلى مزيد من العزوف عن الشأن العام ، لأقتناعه بأن كُل ما يدور مجرد صراع ألفاظ لا يرتبط بمصالحه وحياته اليومية .
إن الإصلاح الحقيقي لا يُبنى عبر الشتيمة أو السخرية ، بل عبر طرح برامج واقعية ، ومشاريع وطنية تعالج جذور الأزمات التي يعيشها العراق ، فلا الخطاب المُنفلت يسقط نظاماً ، ولا الإسفاف يعيد هيبة دولة أو يبني مؤسسات ، بل إن التجارب والوقائع أثبتت أن المجتمعات التي أستسلمت لثقافة المهاترات والانقسامات اللفظية ، لم تحصد سوى مزيد من الضعف الداخلي الذي مهد لتدخلات الخارج .
من هنا ، فإن المسؤولية اليوم تقع على عاتق المؤسسة الدينية والنخب السياسية والفكرية والأكادمية والإعلامية في كبح هذا الانحدار ، ووضع ضوابط أخلاقية ومجتمعية تحمي الفضاء العام من التلوث بالكراهية والابتذال ، فالكلمة ليست مجرد وسيلة تعبير ، بل هي سلاح قد يجرح أو يبني ، وقد يهدم أو يصلح .
أخيراً وليس آخراً .. إلى الطبقة السياسية العراقية نقول “إن المواطن لم يعد يقيسكم بقدرتكم على رفع الأصوات أو تبادل الشتائم ، بل بقدرتكم على تقديم حلول حقيقية لمشاكله اليومية” .
لقد ملّ الناس خطاباتكم الفارغة وضجيجكم المسموم ، وهم اليوم أكثر وعياً من أن تنطلي عليهم أساليب التسقيط الرخيص ، العراقيون يريدون دولة تحترم عقولهم لا تستخف بها ، ومؤسسات تخدمهم لا تستنزفهم ، وإن كنتم تظنون أن السب والشتم سيمنحكم شرعية أو يصنع لكم شعبية ، فأنتم واهمون ، فالشرعية تُصنع بالإنجاز ، والشعبية تُكتسب بالمسؤولية ، وما لم تغيّروا خطابكم وسلوككم ، فأنتم تكتبون بأيديكم شهادة إفلاسكم السياسي والأخلاقي …!




