الخميس - 14 مايو 2026
منذ 8 أشهر
الخميس - 14 مايو 2026

أمين السكافي ـ صيدا ||

 

 

من أبشع الأمور في هذه الحياة الرياء والكذب وتجنب قول الحقائق كما هي. واليوم سنقول ونسأل ونضع الإصبع على الجرح، وسنرى إن كان سيكون هناك من إجابات على تساؤلاتنا. وقد لا يعجب البعض، بل الكثير، ما نطرحه، وقد يتحسس آخرون من أسئلتنا، لكنها استفسارات نحتاجها لنستطيع أن نكمل حياتنا وعلاقتنا مع من يدّعون أنفسهم مسلمين. فهل هم مسلمون حقًا؟

وهنا، عزيزي القارئ، لا أريد أن أقع في فخ التكفير لأي كان، ولكني أنطلق من فكرة أخرى سيتم شرحها خلال المقالة.

يشكل المسلمون ما يقرب من ربع سكان الأرض، أي حوالي ملياري مسلم، وينضوون في 57 دولة هي عدد دول منظمة التعاون الإسلامي. لكنهم يتوزعون إلى طوائف ومذاهب، أكبرها على الإطلاق الطائفة السنية الكريمة، التي تتواجد في غالبية الدول الإسلامية. حديثنا اليوم بشكل أساسي عنها، لأنها الطائفة الأكبر عددًا، ولأنها تمتلك غالبية ثروات الأمة، كما أنها كانت ولمدة 1400 سنة الدولة في غالبية أو معظم الخلافات التي تعاقبت تاريخيًا منذ ذلك الوقت.

أين سنة العالم اليوم؟

أين سنة العالم اليوم من قضايا الأمة؟ وبالطبع نحن حين نسأل لا نعمم، فالأكيد أن هناك الكثير من الأحرار والشرفاء في هذه الطائفة. لكن الغالب والأعم هو ما نراه من تخاذل تجاه المصائب التي ترتكب في بلاد المسلمين: من السودان إلى الصومال، مرورًا بميانمار وليبيا، ووصولًا إلى فلسطين اليتيمة وسوريا ولبنان.

ما نراه هو أن دين الرسول الأعظم ﷺ قد تحول إلى عادات وتقاليد، كصلاة الجمعة أو حج البيت أو غيرها. ونحن هنا لا ننكر هذه العبادات، ولكننا نسأل: هل هذا هو دين محمد؟ أن نقوم ببعض العبادات دون أن نلتفت إلى ما يحصل في أنحاء الأمة من قتل وتنكيل وتدمير وتجويع، معتقدين أننا أدينا قسطنا للعلى؟

قال الرسول الأعظم ﷺ:
“من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس منهم، ومن سمع رجلاً ينادي يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم.”

غياب الضمير الجماعي

فأين تنظر أمة المليار ونصف بعيونها وأفئدتها وضميرها؟ وهل بقي هناك من ضمير؟ نرى اليوم أجزاء كبيرة من أوروبا وغيرها قد خرجت للشارع للتنديد بما يحصل — خاصة في فلسطين — بينما المسلمون في سبات عميق. لا تتحرك عصبيتهم إلا إذا نودي عليهم لكره إخوة لهم في الدين كالمذهب الشيعي أو الإباضي أو الدرزي أو العلوي وغيرها.

ولنتكلم بكل صراحة: جزء كبير من السنة اليوم يعادي إيران بشكل خاص والشيعة بشكل عام، لأن إيران بنظرهم تتوسع في العالم الإسلامي من خلال رفعها لواء القدس وفلسطين، وأنها تساعد قوى المقاومة في المنطقة، سنة كانوا أم شيعة.

حسنًا، بدل إذكاء نار المذهبية البغيضة، فلْتقم البلدان السنية الكبرى — كمصر وتركيا والسعودية وباكستان — بدورها، وتسعى بشكل جدي لوقف شلال الدم النازف في فلسطين وأينما وُجد قتل للمسلمين، وأن تعمل على إيجاد الحلول للقضايا الإسلامية وخاصة قضية غزة وفلسطين، بدل إهمالها منذ ما يقرب من ثمانين عامًا.

حرمة الدماء

قال الرسول ﷺ:
“رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة، ويقول: ما أطيبكِ وأطيب ريحكِ! ما أعظمكِ وأعظم حرمتكِ! والذي نفس محمد بيده، لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منكِ: ماله ودمه. ولأن تُهدم الكعبة حجرًا حجرًا أهون عند الله من أن يُراق دم امرئ مسلم.”

فأين أنتم يا أيها المسلمون مما يجري حولكم؟ وما هي اهتماماتكم؟ هل توقفت الرسالة المحمدية عند بعض العبادات فقط؟

غثاء كغثاء السيل

لقد صدق الرسول ﷺ حين قال:
“يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، فقال قائل: وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت.”

حديث يتحدث عن واقعنا. فهل أنتم حقًا سعداء بأن تكونوا كغثاء السيل؟ وهل حب الدنيا تمكن منكم إلى درجة أنساكم الآخرة؟

تناقضات مهينة

إن لم تكونوا مسلمين حقًا، فعودوا على الأقل إلى نخوة العرب في الجاهلية. ففي هذا المحيط الواسع من أمتنا الإسلامية لا نرى إلا أعدادًا دون وزن أو فائدة.

وعندما يتعلق الأمر باليهود — الذين قال الله فيهم:
{لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} —
نرى المحاباة والسعي إلى الصلح والتطبيع. وهذا عدا عن الدول الإسلامية التي لديها علاقات مع الكيان، وهي كثيرة، لكنها لا تحرك ساكنًا دبلوماسيًا أو سياسيًا أو عسكريًا.

وفيما الكيان يعتدي على قطر وإيران ولبنان وغزة والضفة وسوريا، يظل اليهود — وعددهم لا يصل إلى عشرين مليونًا في العالم كله — أقوى تأثيرًا من أمة تتجاوز المليارين. فأي هوان هذا الذي نحن فيه؟

الإيمان الغائب

صدق الله حين قال في محكم التنزيل:
{قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.

هذه الآية نزلت منذ ما يقرب من 1450 عامًا، وما زال المسلمون — في غالبيتهم — بعيدين عن دخول الإيمان الحقيقي في قلوبهم.

كلمة أخيرة

فيا بني أمتي وديني:
الوحدة، ثم الوحدة، ثم الوحدة.
الصدق مع الله، نصرة المظلوم، وردع الظالم.

لنترك العصبيات البغيضة التي تجعلنا نحارب ونقتل ونكره بعضنا البعض. ألا نخجل من أنفسنا وأهل غزة يُبادون ونحن آمنون؟ ألا نخجل من جوعهم ونحن متخمون؟

إن فلسطين هي درة شرف الأمة، ولكن هناك بلادًا إسلامية أخرى تعاني الويل والثبور وعظائم الأمور، ونحن عنها غافلون.

فالويل ثم الويل من كثرة بلا نوعية، وهذا هو حالنا اليوم.