شهادة “نصرُ الله” حضورٌ يتجدّد..!
كوثر العزاوي ||

عام مضىٰ، وأقبلَ آخَر، والوجع ما زال غضًّا، كأنْ لا مسافة زمنية بين الأمس واليوم!. ونحن إذ نحيي الذكرىٰ السنوية لعروجه، فلا نقف عند حدود الحزن وحده، بل نستحضر معاني الشهادة بوصفها ولادة جديدة.
عامٌ ونحن نقف أمام مقامكَ المعنويّ، نحمل في أيدينا قناديل الوفاء، نجاري مرارة الفقد، نعَضّ على جُرحِ الغياب، نتأمّل مشهدَ عروجك كلّ يوم، فتحتَشدُ الأشواق بانتظار إطلالتك على مِنصّة الهيبة، فنراك ماثلًا في ركنٍ من الأرض، وهي تنبض بالحياة لحظة حضورك بثغره الباسم.
ويوم حلّ الصمت، صار أعمق وأثقل في غيابك، كأنهُ يكتب مراثي من غير حروف، لكنّ وهجَ طيفك باقٍ، يشتعل في صدور المؤمنين، إذ رحلَ الجسد، وبقيَ هدير صوتك، الذي طالما أرعبَ صداه الباطل.
كما بقيَت تغاريد كلماتك تراتيلَ تدغدغ شَجنَ أسماعنا، وآيات من وحيِ الأمل تسلّينا، بأنّك يقينًا عائد مع الصاحب المرتجى بأمر الله العزيز.
أيّها الراحل جسَدًا، لاروحًا ولا أثرًا.. إنّ الحزن في قلوب محبيك لم يَزِدهم إلّا ارتقاءً وعزمًا، وإنّ بعض الأحزان نعمة، حينما يدرك صاحبها، حقيقة: أن يتصدّع الجدار الداخلي للروح، بمعنى أن يتحوّل الوجع الى بُراقٍ سَحَرٍ يطوف بصاحبه الآفاق، باحثًا عن ذريعة تُرشِده الى معرفة مطايا الوصول! وأنّىٰ لروح الشهيد معرفة دروبها! لتحضىٰ بكل هذا المجد! لتنال درجة “عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ”!.
كما يكشف الوَجع غالبًا جوهرَ العروج ليخبرنا: بإنَّ الشهادة ليست نهايةً، بل هي غايةُ المنتظرين، وبدايةُ حياةٍ أسمى للمريدين الصادقين، وحضورٌ أوسع للشهيد في ضمير الأمة، وامتدادٌ لا ينطفئ في وجدانها، ليستَيقِنَ الذين لا حَظَّ لهم من الإيمان، ويزداد المؤمن يقينًا: بأنّ الحقّ لا يموت، وكلّما مضى من أهله رائد، سطعَ نورٌ آخرَ يضيء ماانطفأ في دروب التضحيات، ويزرع في الأرواح يقينًا، بأنّ عطاء الدم ميراث النبلاء، جيلًا بعد جيل، وأنّ الأوفياء رجالٌ صدَقوا ماعاهَدوا..
فلا يموتون، بل يتركون آثارهم مصابيح تضيء ليل السائرين.
من هنا، وفي مثل هذه الأيام، كان رحيلُ “أبا هادي” انعطافةُ زمنٍ، لا انحرافَ فيها ولا التِواء، إنّما حالة
ميدانية وِجدانية فكرية هادفة، حاضرة في ضمير الإنسانية، لأنها الصوتٌ الذي تجاوز حدود المكان، ليصل إلى قلب كل حرّ على وجهِ المعمورة، يؤمن بالحرية والكرامة والعزة.
رحيلٌ لم يكن حدثًا عابرًا، ولسنا نقف أمام صفحةٍ انطوت وأصبحت ماضيًا، كلّا.. وألف كلا !.
لقد كان “نصر الله” عطيّة الله ومِنحَتهُ الربّانية، التي أغدقَت على الملايين إحساسًا بالأمل والقوة، وسيبقى علَمًا من أعلام المقاومة والولاء لنهج آل محمد “عليهم السلام”، ووجهًا من وجوه الشرف والمَنَعة، وصوتًا خالدًا في ضمير المستضعفين، وصرخةُ رُعبٍ بوجه الظالمين، كلما لاحَ شرَر عقيقهُ الأحمر في إصبَع العزة للناظرين، ذلك الإصبَع الذي طالما ارتجف منه الاستكبار العالمي المقيت.
فسلامٌ عليك “نصر الله”.. على حضورك الدائم في وجدان الأمّة،
سلامٌ على نهجك، على دربك، فإنه لا شكّ درب الأبرار، ونِعمَ ما نلتَ من شرف الشهادة، وأشرفُ الموت، هو الموت في سبيل الله، “سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ” الرعد٢٤.
٣-ربيع الآخر-١٤٤٧هــ
٢٦-أيلول-٢٠٢٥م




