وسائل الإفساد في عصرنا الحاضر..!
كوثر العزاوي ||

قالَ الله “عزَّ وجل”
{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}الروم ٤١
إنّهُ قول الله، فصل الخطاب! إذ حدّد لنا بدقة رائعة، أنّ الفساد سيظهر في البر والبحر، وأنّ الإنسان هو المسؤول عن ذلك، وأنّ هذا الإنذار نوع من أنواع العذاب، والله
“عزّ وجل” يُوقعه على العصاة كالسوط، يؤدّبهم ويوقظهم من غفلتهم، لعلهم يرجعون إلى بارئهم.
فالمجتمع الذي يتمادى في الفساد والعصيان، ويسرف في الشهوات،
ويُصرّ على تحدّي الخالق “عزّ وجل”
سواء بعدم الأخذِ بأحكامه، أو الإستخفاف بشرعِه، أو تجاهُلَ عقابهِ، والغفلة عن آياته، فالردّ الإلهيُّ قادم لا محال، عاجلًا أو آجلًا، إنها سنَنُ الله في الخلق، ولن يكون أحدٌ بمنأى من عذاب الله سبحانه.
فالآية بظاهر لفظها تفيد العموم، ولا تختص بزمان دون زمان، ولا مكان دون غيره، ولا بواقعة اختصّ بها قوم دون غيرهم، فهي إذن مطلقة.
فالفساد في”البَرّ والبحر”:
هو فساد المعايش ونقصانها، وحلول الآفات في الحيوانات والنباتات، ونقص الخيرات.
بما كسبت أيدي الناس: أي بسبب أعمالهم الفاسدة التي ارتكبوها.
ليذيقهم بعض الذي عملوا: ليُظهر لهم نموذجًا من العواقب الدنيوية لبعض أعمالهم السيئة.
لعلهم يرجعون: لعلهم يتوبون عن أعمالهم الفاسدة ويعودون إلى الله فيصلح أحوالهم.[ البرهان في تفسير القرآن].
فلو أردنا التحدّث عن وسائل الإفساد المتنوّعة في البرّ والبحر في مثل عصرنا الحاضر، لوجدنا إحصائيات مرعبة لأنواع الفساد، على الصعيد العالَمي والعربي، عِبر
الفضاء المجازي، المرئي والمسموع، وكذا المواقع الإباحية المدمّرة للقيم والأخلاق، فقد تجد عشرات الآلاف منها، تبثّ سمومها ليلًا ونهارًا، سرًّا وجهارا، وعلى مرأى ومسمَع مليارَيْ مسلم في العالم، وبكل فئاته العمرية.
ثم اندفع المجتمع ينساق مع التيار في تبعيةٍ عمياء، حتى غدَا كلُّ أمرٍ مباحًا متاحًا، دون رقيبٍ ولا وازعٍ من عقلٍ أو ضمير.
فقد نجد نسبة مذهلة من الزنا، ومثلها تعاطي الخمور بأنواعها، كما تصدمنا نسبة الاغتصاب والتحرش، والشذوذ الجنسي، بنسبة أكثر من خمسين بالمئة! في أغلب دول العالم فضلًا عن حالات الطلاق، والخيانة الزوجية، ومظاهر العهر والتفسخ الأخلاقي، وظواهر أخرى لاتمتّ للدين ولا العرف بصلة، جراء الحرب الناعمة، ليبلغ ضَرَرها حدًّا مهولًا في مجتمعنا الإسلامي خاصة، مما يهتزّ له العرش وتقشعرّ له الأبدان.
وإذا صحّ التأمّل فيما يحدث، نستطيع أن نستوحي من ظروفنا، معاني الفساد بَرًا وبحرًا، فيُسوَّغُ لنا أن نفسّر الفساد في البحر مثلًا: بالأساطيل الحربية المدمّرة، وشاحنات التخريب، والجيوش البحرية وأسلحة الدّمار التي تستهدف حياة الإنسان، وإبادة الثروات البحرية، فضلًا عن احتكارها مِن قِبلِ حيتان الفساد وعتاة المرحلة!.
وفي ذات السياق، ثمة بلاءات أخرى تقع، “تذكرة لمَن يخشى” على صعيد الحوادث الكونية، وما يطلقه علماء الإرصاد الجوي، من تحذيرات، كالتغيّر المناخي المضر، وحدوث الزلازل، وحوادث السيول والعواصف المدمّرة والأعاصير، وأنَّ الظاهرة الكذائية ستقضي على النبات والحيوان، وتصيب الإنسان بنِسَبٍ عالية، من الأمراض الخطيرة، نتيجة الأوبئة والتلوث البيئي، وغير ذلك من المتغيرات الكونية.
مع هذا كلّه، ألَا يتبادر إلى أذهان ذوي البصائر قول الحق تبارك وتعالى وإنذاره وهو يؤكد حقيقة:
{… بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}!! الروم ٤١
أليس كلّ مايعصف بنا في هذا العصر الغارق بالفساد والشبهات وآيات الخوف، هو مصداق لما أخبر عنه القرآن عبر الآية المباركة أعلاه؟!.
من هنا، يتّضح الأمر، إنّ مصدر الفساد في الدنيا، هو نتاج أعمال الناس بسبب الغفلة عن الحق، المؤدي الى الإنحراف عن أصل التوحيد، الذي يلزم الوقوف عند حدود الله تعالى وشريعته السمحاء.
وحينما ينزل العذاب وتكثر المصائب والأمراض والأوبئة، وتضيق الصدور وتمنع السماء قطرها، وتظهر الآيات الكونية عبر تغيّرات الطبيعة على غير العادة، ويكثر الموت، وتتسلّط الحكّام، وو…الى غير ذلك، لكي يُرِي الله الناس عاقبة ماقدّمت أيديهم، وليذيقهم بعض الذي عَملوا لعلّهم يرجعون، لأنّ الله لايظلم أحدًا مثقال ذرة، فهل من متَّعِظ؟!
١-ربيع الآخر-١٤٤٧هــ
٢٤-أيلول- ٢٠٢٥م




