العراق في قلب التحولات : ملامح مرحلة إقليمية جديدة .؟
طه حسن الأركوازي ||

من يتابع تصريحات المحللين والمتابعين للشأن الإقليمي يلحظ تكرار مقولة أن “الفترة المقبلة ستكون حبلى بالمفاجآت” ، ليس كعبارة إنشائية فضفاضة ، بل كمؤشر على تحولات بدأت ترتسم ملامحها في الشرق الأوسط ، والعراق على وجه الخصوص ، فالمعادلات التي حكمت المنطقة منذ عقدين لم تعد قادرة على الاستمرار بالوتيرة نفسها ، وهناك إرادة دولية وإقليمية لإعادة صياغة قواعد اللعبة ، سواء في ما يتعلق بموقع إيران وأذرعها أو بمستقبل التوازنات في العراق .
العراق ، بما يحمله من موقع جغرافي أستثنائي وثقل تاريخي ، يجد نفسه مُجدداً في قلب هذه التغييرات ، منذ سنوات وهو يتحول إلى ساحة أختبار لإرادات متناقضة ، الولايات المتحدة التي تسعى إلى تقليص أنخراطها العسكري المباشر ، إيران التي تحاول تكريس نفوذها عبر أذرع سياسية وعسكرية ، وتركيا التي تتسلل بثقلها الأمني والاقتصادي عبر الحدودج ، هذا التزاحم جعل العراق نقطة محورية في رسم ملامح التوازن القادم ، لا سيما في ظل الانتخابات المقبلة والتحولات الأمنية المرتقبة .
لكن التغيير لا يقتصر على البُعد السياسي أو العسكري وحده ، فهناك مشاريع أقتصادية كُبرى تعكس محاولة لإعادة إدماج العراق في المنظومة الإقليمية بصفة جديدة ، مشروع “طريق التنمية” الذي يربط ميناء الفاو بتركيا وصولاً إلى أوروبا ليس مجرد خطة نقل تجاري ، بل مسعى لتحويل العراق من ساحة صراع إلى ممر أستراتيجي يربط الخليج بالمتوسط ، ويمكن تشبيه هذه الخطوة بمشاريع دول عاشت أوضاعاً مضطربة ثم أستعادت موقعها بفضل الاستثمار في الجغرافيا ، كما حدث مع سنغافورة التي تحولت من دولة صغيرة مثقلة بالتوترات إلى عقدة تجارية عالمية .
في الوقت نفسه ، لا يمكن إغفال حجم التحديات الداخلية التي ستصطدم بها هذه التحولات .
العراق ما زال يعاني من إرث المحاصصة ، وضعف المؤسسات ، وهيمنة قوى السلاح خارج الدولة ، وهذا ما يجعل مسألة التغيير مرتبطة ليس فقط بالإرادة الدولية والإقليمية ، بل أيضاً بقدرة العراقيين على إعادة بناء قواعد داخلية صلبة تضمن أستقرار هذه المشاريع ، فالمجتمع العراقي يعرف جيداً كيف تُجهض الفرص حين تُختطف الدولة ، كما حدث مع عوائد النفط التي تحولت لعقود إلى باب للهدر بدل أن تكون رافعة للتنمية .
المفاجآت التي يتحدث عنها المحللون ليست بالضرورة أحداثاً صاخبة بقدر ما هي تحولات تراكمية قد تغيّر وجه المنطقة ، العراق قد يكون مسرحاً لصدامات سياسية محدودة أو لتفاهمات إقليمية كبرى أو حتى لموجات أحتجاج أجتماعي إذا ما فشلت النخب في إدارة المرحلة ، التجارب الإقليمية تعطي أمثلة واضحة ، لبنان حين فشل في ضبط موازين النفوذ الإقليمي تحول إلى ساحة أزمة مستمرة ، في حين نجحت الإمارات في الاستثمار بالتحولات الدولية لتصبح لاعباً اقتصادياً وسياسياً يتجاوز حجمها الجغرافي .
من هنا ، يصبح السؤال ليس ما إذا كان العراق في قلب التغييرات ، بل كيف سيتعامل مع هذا الدور ، هل سيكون مجرد ملعب لتقاطع اللاعبين الدوليين والإقليميين .؟
أم سيغتنم الفرصة ليعيد رسم مساره كدولة قادرة على فرض معادلاتها الخاصة .؟
المرحلة المقبلة حبلى بالإشارات من إعادة ترتيب العلاقة مع القوات الأجنبية ، إلى اختبار جدية المشاريع الاقتصادية ، إلى قدرة العراق على موازنة النفوذ الإيراني والتركي والخليجي ، كُل هذه العناصر ستجعل من السنوات القليلة القادمة فترة حاسمة في تقرير مستقبل العراق والمنطقة .
أخيراً وليس آخراً .. إن العراق يقف اليوم عند مفترق طرق حاسم ، فإما أن يكون شريكاً فاعلاً في رسم مستقبل المنطقة ، أو يظل ملعباً لصراعات الآخرين .
ما ينتظر العراقيين ليس قدراً مكتوباً سلفاً ، بل نتيجة خيارات تُصنع اليوم في دوائر القرار السياسي .
المسؤولية الكبرى تقع على عاتق النخب الحاكمة التي ينبغي أن تتحرر من أسر المحاصصة وضغط الولاءات الخارجية ، وتفتح الباب أمام مشروع وطني جامع يجعل من العراق لاعباً لا تابعاً .
المرحلة المقبلة قد تحمل فرصاً نادرة بقدر ما تحمل من مخاطر ، وإذا ما أحسن العراق أستثمار موقعه ومقدراته ، فقد يتحول إلى مركز أستقرار أقتصادي وسياسي في قلب الشرق الأوسط ، أما إذا أستمرت السياسات المرتبكة والخيارات الضيقة ، فإن التغييرات القادمة قد تمر فوقه لا من خلاله ، ليبقى مجرد ورقة بيد القوى الكبرى ، الرسالة الواضحة اليوم هي أن أمام العراق فرصة ليكتب دوره ، لكن القلم لا بد أن يكون بيد العراقيين أنفسهم ، لا بيد الآخرين …!




