فَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ..!
محمود المغربي ||

بالرغم من عتامة الصورة، وما يقوله الواقع بهيمنة الباطل وانتصار الطاغوت، إلا أن الأمور لن تسير على نحو ما يظن أكثر الناس، ولن تنتهي حيث يتوهمون.
فبلا شك، هناك حكمة وغاية لا ندركها من كل ما يحدث، ومن تملك الباطل لكل هذه القوة والقدرة، وإفراطه في الظلم والاستكبار، وإسرافه في القتل والفساد في الأرض، فيما الحق والخير يكاد أن يتلاشيا ويقارب على الانقراض. لكن النتيجة النهائية مختلفة تمامًا، وهي محسومة لصالح الخير والعدل والحق،
لسبب واحد جوهري: إن الله هو الحق والعدل والخير، والشيطان هو الفساد والظلم والباطل الذي لا أساس له، وإنما هو إلى زوال. إن الباطل كان زهوقًا منتهيًا، والحق والعدل باقيان أبديان بأبدية الله، الحق، وما سواه باطل وسراب. ومهما عظم مكر الشيطان وأولياؤه، فإن ذلك لا يُقاس بقوة الله وحكمته ومكره.
وبالطبع لن يُرسل الله الملائكة لمجابهة الشيطان وأتباعه، بل له أدواته، وهو مُسَبِّب الأسباب، وخالق المتغيرات، وهو على كل شيء قدير. وهو من جعل من عصا موسى سلاح فتاك وسبب في هزيمة وهلاك فرعون وقومه الدولة العظمى في ذلك الزمان، فلا يُغرنك قوة الباطل وما يرتكبه من ظلم، فكلما أسرف في الظلم والقتل والفساد، اقترب من نهايته، وتضاعفت عقوبته وقوة سقوطه، وكان انتقام الله منه أعظم وأشد تنكيلاً.
وفي الوقت الذي نحن فيه منبهرون بقوة الباطل، (فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ۖ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ”(القصص: 79).
(وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا ).
فإذا بيد الله الخفية تتحرك، وتحضر الساحة لأمر عظيم، وصراع كبير، سيكون فيه الباطل أكبر الخاسرين. ثم يأتي فجر مشرق بعده، وفي ذلك اليوم فاليفرح المؤمنون. ويمكن القول أننا الآن في مرحلة التمحيص والاختبار العظيم، الذي لن ينجح فيه إلا قلة قليلة، ثلة من الآخرين. حتى يعلم الله الصادقين من الكاذبين،
كما قال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) وبالتأكيد نحن اليوم في أشد المراحل قسوة واختبار، حيث يغرق العالم في الظلم والفساد والانحراف، وتموج الأرض بالأزمات والصراعات، وصار الحق باطلاً، والباطل حقًا، والمعروف منكرًا، والمنكر معروفًا.
إلا أن ملامح الحقيقة بدأت تظهر، والعالم ينقسم إلى معسكرين: معسكر الحق، ومعسكر الباطل. ومع أن معسكر الحق والعدل لا يكاد يُرى بسبب عظمة وتضخم معسكر الباطل، وبسبب أننا في زمن الدجال، فإن معسكر الحق يُنظر إليه من قبل الأغلبية الساحقة على أنه معسكر الباطل. وهذه من حِكم الله في هذا الزمان. لكن النتيجة النهائية لن تكون لصالح الكثرة هذه المرة.
فَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، فَلَهُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ.




