شيعة العراق: حماة الوطن وصنّاع الصمود عبر التاريخ الحديث..!
قاسم الغراوي ||
انكيدو للدراسات

يحتلّ شيعة العراق موقعًا مركزيًا في مسيرة التاريخ العراقي الحديث، إذ شكّلوا على الدوام قوة اجتماعية ووطنية تقف بوجه الاحتلالات الأجنبية والأنظمة الاستبدادية. ورغم ما تعرّضوا له من تهميش واضطهاد، ظلوا أوفياء لوحدة العراق وتضحياته، ودفعوا دماءهم دفاعًا عن كرامة الوطن والشعب.
أولًا: الجذور الوطنية في مواجهة الاستعمار
مع دخول الاحتلال البريطاني للعراق عام 1917، برز شيعة العراق في ثورة العشرين التي انطلقت من الفرات الأوسط والجنوب. هذه الثورة لم تكن مجرد انتفاضة مسلحة، بل حركة وطنية جامعة، كان قادتها من رجال الدين وزعماء العشائر الشيعية، وقدّموا آلاف الشهداء في مواجهة الاحتلال (1). ورغم قمعها عسكريًا، أرست الثورة مبدأً مهمًا: أنّ شيعة العراق يقفون في طليعة مقاومة الاستعمار.
ثانيًا: مواجهة التهميش والأنظمة المستبدة
بعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة (1921)، تم إقصاء الشيعة سياسيًا وإداريًا، رغم كونهم الأغلبية السكانية. ومع ذلك، لم ينزلقوا نحو مشاريع الانفصال أو التمرد على هوية العراق الجامعة.
خلال حكم الأنظمة الجمهورية، وخاصة في زمن حزب البعث، تعرّض الشيعة لحملات إعدامات، تهجير قسري، وقمع للحركات الدينية والوطنية. وكانت الانتفاضة الشعبانية عام 1991 أبرز تجسيد لرفض الاستبداد، حيث خرج ملايين الشيعة في الجنوب والوسط بوجه النظام، وقدّموا تضحيات جسيمة قوبلت بالمجازر والمقابر الجماعية (2).
ثالثًا: الدور بعد عام 2003
مع الاحتلال الأمريكي، شهد العراق مرحلة جديدة من التحديات. ورغم الانقسام السياسي، حافظ شيعة العراق على موقف رافض للاحتلال والتبعية. برز دورهم بشكل خاص في مقاومة التنظيمات الإرهابية، خصوصًا تنظيم داعش الذي هدد وجود الدولة. وقد كان لشيعة العراق الدور الأبرز في تقديم الشهداء والدفاع عن المدن العراقية بمختلف انتماءاتها.
رابعًا: الفتوى والتحشيد الشعبي
أصدرت المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف عام 2014 فتوى الجهاد الكفائي، التي شكّلت انطلاقة “الحشد الشعبي”. هذا التشكيل لم يكن مجرد قوة عسكرية، بل تجسيدًا لوحدة الشعب في مواجهة مشروع التقسيم والإرهاب. وقد لعب الحشد دورًا محوريًا في تحرير الموصل وسنجار وتكريت وغيرها من المناطق العراقية (3).
خامسًا: رفض الذل والعبودية
المسيرة التاريخية لشيعة العراق تُظهر رفضهم الدائم لكل أشكال الذل والخضوع، سواء للقوى الاستعمارية أو الأنظمة المستبدة. فقد جسّدوا في مواقفهم روح التضحية والفداء، وأثبتوا أنّ انتماءهم العقائدي لم ينفصل عن ولائهم الوطني، بل شكّل دافعًا أكبر للتمسّك بالهوية العراقية الجامعة.
إنّ تاريخ العراق الحديث يبرهن على أنّ شيعة العراق كانوا وما زالوا الدرع الحامي للوطن وصمام الأمان لوحدته. فقدّموا أرواحهم في مواجهة الاستعمار البريطاني، وقاوموا أنظمة الاستبداد، وتصدّوا للإرهاب التكفيري، وأثبتوا أنهم صناع النصر والصمود رغم كل المعاناة.
إن قراءة هذا الدور ليست اعترافًا بجهد طائفي، بل إقرارٌ بحقيقة وطنية: أنّ شيعة العراق كانوا في طليعة القوى التي ضحّت لتبقى راية العراق مرفوعة.
الهوامش والمراجع
1. علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ج5، بغداد، 1970.
2. حنا بطاطو، العراق: الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية، بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1992.
3. خطب المرجعية الدينية العليا، النجف الأشرف، خطبة الجمعة (13 حزيران 2014).
4. حازم صاغية، ثورة العشرين: الجذور والنتائج، بيروت، 1980.
5. مركز دراسات الوحدة العربية، الانتفاضة الشعبانية في العراق 1991: دراسة وثائقية، بيروت، 1995.




