ذكرى المعصوم والدرس المستفاد..!
كوثر العزاوي ||

في ذكرى استشهاد مولانا الإمام الحسن العسكري”عليه السلام”حريّ بنا أن نقف على ضفافه، لنغترف غرفةً من طهر عذْبهِ، وزادَ حياة لقلوبنا.
لقد تولّى إمامنا العسكريّ زمام الإمامة بعد وفاة والده الإمام علي الهادي”عليه السلام” وكان عمره الشريف، أثنتان وعشرون عاما، وقد استشهد على يد الخليفة الطاغية العباسي”المعتمد” وعمره الشريف ثمان وعشرون عامًا، أي في ذروة العطاء وعنفوان الشباب، وكان زمن إمامته ستة أعوام فقط.
وهذا ما يجعلنا نقف متأمّلين، أمام درسٍ يوضّح لنا، أنّ قيمة الإنسان، ليست في كِبر سنّهِ وعدد سنينه، بل وليس فيما يملك من جاهٍ وقوة ونفوذ ورمزية، أو ما لديه من ثراء ورهط ومَنَعَة، وإنما قيمة الإنسان واعتباره يكمنان في قربه الحقيقي من خالقهِ، ومدى ارتباطه بالله “عز وجل”، وفيما يترك من آثارٍ ناصعة، تهدي إلى الرشد والاستقامة، وترتشف الأمة من عذب ذكراه، واستلهام العِبر النافعة من سيرته.
وعند التأمل في حياة أئمتنا “عليهم السلام”، نلحظ أنّ العامل المشترك بينهم هو رفض الظلم والاستبداد، والوقوف بوجه الانحراف والفساد، لأنّ القبول بهذه المعاول يتعارض مع الفطرة والعقل والدين والضمير والأخلاق، وهو ما يُبعد المسلم عن أهداف السماء، ويؤدي إلى الانحراف عن الغاية من خَلْق الإنسان، وعن معرفة خطّة مشروع السماء وإدراك مقاصدها الإلهية، وفي النهاية هو ابتعادٌ عن نهج صاحب الذكرى، وآبائه المعصومين “عليهم السلام”.
ولكي نأمَن الموج الجارف لمختلف التيارات، لابد لنا من الأقتداء بهم “عليهم السلام”، وبمن هم على نهجهم، ولكي نحرز قيادة مؤمنة واعية جريئة في مواقفها، تنبثق من خطّ القادة الكُمّل، ومَن تمتلك رؤية دينية وفكرية وسياسية، رؤية واضحة الأهداف، بما تمتلك من تخطيط محكَم للحركة، وبما تضمن حُسن التربية والإتّباع، على أساس البرّ والتقوى، ولا تأخذها في الله لومة لائم، عندئذ يكون الوصول سليمًا، من أجل تحقيق الهدف الأسمى في خط التمهيد للمشروع الإلهي المقدس.
يقول الإمام الحسن العسكري”عليه السلام”:
[ الفقير معنا خير من الغنيّ مع غيرنا، والقتل معنا خير من الحياة مع عدونا، ونحن كهف لمن التجأ إلينا، ونور لمن استبصر بنا وعصمة لمن اعتصم بنا، من أحبنا كان معنا في السنام الأعلى ومن انحرف عنا فإلى النار ].
كما شخص”عليه السلام” طبقة من الناس بقوله:[ إنما خاطب الله العاقل، والناس على طبقات: المستبصر على سبيل نجاة، متمسِك بالحق، متعلّق بفرع الأصل، غير شاك ولا مرتاب، لا يجد عنّي ملجأ، وطبقة لم تأخذ الحق من أهله، فهم كراكبِ البحر يموج عند موجهِ ويسكن عند سكونه، وطبقة استحوذ عليهم الشيطان، شأنهم الرد على أهل الحق ودفعٌ بالباطل حسدًا من عند أنفسهم. فدَع مَن ذهب يمينًا وشمالاً ، فإن الراعي إذا أراد أن يجمع غنمه جمعها بأهون سعي}.
من هنا ندرك، أنّ النجاة من فتن الدنيا، هو في ركوب سفينة آل محمد “عليهم السلام”، ولضمان سلامة النهج المتَّبَع دون وجلٍ ولا ريب.
وإنّ التعريف بنهجهم عليهم السلام، واقتفاء خطاهم، والارتباط بهم، هو الضمان الأكيد، الذي يمنحنا القيمة العليا، التي تجعلنا قريبين من الله تعالى، في السلوك والمواقف والأعمال الصالحة.
وبدون ذلك: يصبح الارتباط بهم محض انفعال فاقد للقيمة والمعنى والهدف.
٨-ربيع الاول-١٤٤٧هــ
الأول من أيلول-٢٠٢٥م




