الأحد - 14 يونيو 2026

السفراءُ الجُدُد بينَ استعادة القرار الوطنيِّ وكسرِ نفوذِ ممثلياتِ الإقليم..!

منذ 10 أشهر
الأحد - 14 يونيو 2026

آزاد محسن ||

 

 

تعيينُ سفراءِ العراق يُمثّلُ خُطوةً إيجابيّةً لتعزيزِ حضورِ العراقِ الخارجيِّ، ولا سيّما مع الدولِ التي لديها تمثيلٌ دبلوماسيّ في بغدادَ.

هذه الخُطوةُ تأتي في وقتٍ يعاني فيه العراقُ من انعدامِ الحضورِ الفاعلِ والاكتفاءِ بموقفِ المتفرّجِ في منطقةٍ تعصفُ بها الأجنداتُ والتحالفاتُ الدوليّةُ، بالإضافةِ إلى ضعفٍ واضحٍ في التمثيلِ الخارجيِّ، فالعلاقاتُ موجودةٌ ومستمرةٌ مع الكثيرِ من دولِ المنطقةِ والعالمِ، لكنها بقيت تقتصرُ على العملِ الروتيني والبروتوكوليِّ بسببِ غيابِ الحضورِ الفاعلِ والتمثيلِ القويِّ.

ورغمَ أن بعضَ الملاحظاتِ طُرحت بشأنِ أسماءِ المرشحينَ لهذه المناصب، إلا أنّ التقييمَ العامَّ للخطوةِ يُعَدُّ جيّداً للعراق، ذلك وأنَّ وزارةَ الخارجيةِ العراقيةِ طوالَ سنواتٍ ماضيةٍ كانت تُدارُ من قبلِ وزراءَ محسوبينَ على الأحزابِ الكرديّة، وكان عملُهم مُنصّباً على إضعافِ دورِ الوزارة وخلوِّها من القياداتِ الوطنيّةِ وضعفِ تمثيلِ العراقِ في المحافلِ الدوليّة، الأمرُ الذي انعكس سلباً على الحفاظِ على مصالح العراق.

هذا النهجُ لم يكن عفوياً بل كان يخدمُ مصالحَ إقليمِ كردستان الذي فتح ممثلياتٍ في الخارجِ بموازاةِ السفاراتِ العراقيّة، ورغمَ أن الدستورَ العراقيَّ منح الإقليمَ حقَّ افتتاحِ ممثلياتٍ (بشكلٍ مخالفٍ للدستورِ الذي سمح فقط بفتحِ مكاتبَ داخلَ السفاراتِ تُعنى بالشؤونِ الثقافيّةِ والاجتماعيّةِ والإنمائيّةِ وبشرطِ موافقةِ الحكومةِ المركزيّةِ، وهو ما لم يتحقّقْ) إلّا أنّ تلك الممثلياتِ أصبحت سفاراتٍ مستقلّةً للإقليم، وتجاوزَ دورُها السياسيُّ الحدودَ المرسومةَ لها، وأخذت تؤدي أدواراً سياسيّةً لخدمةِ الإقليم، وقد وصلت أحياناً إلى الإساءةِ لبغداد والتواصلِ مع أطرافٍ مُعاديةٍ ومنها ممثلو الكيانِ الصهيونيِّ، وهذا كلُّهُ جاء نتيجةَ غيابِ القياداتِ الدبلوماسيّة (سفراءَ) القادرةِ على الدفاعِ عن العراقِ ومصالحِه.

دَولياً، تُعرَف الحكوماتُ برئيسِها ووزيرِ خارجيتِها أكثرَ من أيّ منصبٍ آخرَ، لأنهما الواجهةُ الأولى للبلدِ، وإن إضعافَ أو إفشالَ أحدِهما ينعكسُ مباشرةً على صورةِ الدولة، وهذا ما عملَ عليه الإقليمُ طيلةَ السنواتِ الماضية، وخصوصاً الحزبُ الذي كان يتحكّمُ بوزارةِ الخارجيّةِ.

إن تعيينَ السفراءِ أصالةً بقراراتٍ سياديّةٍ عبرَ مجلسِ الوزراءِ ومجلسِ النوابِ يمنحُهم قوّةً مُضاعفةً في تمثيلِ الدولةِ العراقيّةِ، ويتحرّرون من سطوةِ الوزير، ويُشكّلُ عاملاً حاسماً لإعادةِ التوازنِ في علاقاتِ العراقِ الدوليّة.

ولعلَّ الوقتَ الأبرزَ في تاريخِ الخارجيّةِ العراقيّةِ الحديثةِ كان في عهدِ الدكتورِ إبراهيمَ الجعفريِّ، الذي مثّل العراقَ في المحافلِ الدوليّةِ بخطابٍ وطنيٍّ قويٍّ ودفاعٍ شجاعٍ عن البلد، ممّا عزّز صورةَ الدولةِ وأثبت أن الخارجيّةَ يمكن أن تكونَ واجهةً مشرّفةً عندما تتولاها شخصيةٌ مؤمنةٌ بالمصلحةِ الوطنيّةِ.

من هنا فإن قرارَ تعيينِ السفراءِ الجُددِ يمثّلُ خطوةً شجاعةً، وبالرغمِ من الانتقاداتِ إلا أنه يحملُ بُعداً وطنيّاً مهمّاً لمصلحةِ العراقِ، ويعيدُ بعضَ التوازنِ المفقودِ إلى علاقاتِه الخارجيّةِ، ويمنحُ بغدادَ فرصةً لاستعادةِ حضورِها الحقيقيِّ على المستوى الدوليِّ.