لاتغفُلوا الغربال..!
كوثر العزاوي ||

قال تعالى:
{وَلِيُمَحّصَ اللهُ الّذِينَ آمَنُوا..} آل عمران: ١٤١.
إنّ ما تشير إليه الآية الكريمة يكشف لنا، إنّ ما تواجههُ البشرية من أزمات نفسية واجتماعية، واضطرابات سياسية واقتصادية، وأحداث حرجة متلاحقة، إنما هو في جوهره دور التمحيص والغربلة الذي لابدّ منه.
وذلك هو الامتحان الواقعي الحقيقي، الذي يُختبَر فيه دين المرء ووعيه، ويُوزَن اعتقاده وإيمانه، ليبقى متيقظًا، يعي الواقع جيدًا، ويعرف مدى صدق إيمانه وصبره في السراء والضراء، ثم يتأمّل: هل سيصمد أمام التحديات وتقلبات الزمن؟
هل سيقف متفكرًا عند الشبهات ومحطات الارتياب قبل الإقدام على أي خطوة؟!
إن حركة الإنسان وعطاءه خاضعان دومًا لميزان الاختبار، ليظهر إن كان سيتهاوى أمام بريق المديح وضجيج الألسن، أم يتجاوز أصوات البشر جميعًا، مقدمًا وجه الله على كل اعتبار، فيمضي في عطائه راجيًا بلوغ ضفاف القبول.
ولا شك أنّ عجلة التمحيص تزداد سرعة كلما اقترب زمن الظهور المقدّس، كما يزداد عدد الساقطين من الغربال.
لذا، علينا أن نعيش هاجس التمحيص الإلهي، في عالَم يعج بالفتن والصراعات والتسافل، وذلك عبر مراقبة النفس ومحاسبتها بدقة، فالكل في الغربال سواء، وإذا أدركنا هذه الحقيقة، سنزداد قوةً وبصيرةً، وقربًا من الله ومعرفةً به، وغنىً في مختلف مواقع الحياة، ونكون في مأمنٍ من جرافات التيارات المتلاطمة.
وحريٌّ بالمؤمن أن يحاسب نفسه، في كل حركة من حركاته في واقع الحال الذي يعيشه ويتعامل معه، وليبدأ من تفكيره أوّلًا، في عملية تطهير للجوانح والجوارح وسط ميدان المواجهة والتنافس في هذه الحياة.
وليعِش محنة الترقّب، كما يعيشها العارفون الصابرون الثابتون، الذين يثبتون لله لا لأنفسهم، وللإسلام لا لمصالحهم،
فإنّ الصبر بالله ولله على ما نحب وما نكره، هو كسفينة تمخر عباب أمواج الفتن والمحن، وهو في الوقت ذاته قمر هدىً في سماء الرشد والتقوى، يهدي في ظلمات البر والبحر، وينجي منها.
اللهم ثبّتْنا على دينك ما أحييتنا.
٢-ربيع الاول-١٤٤٧هــ
٢٦-آب- ٢٠٢٥م




