الأربعاء - 17 يونيو 2026
منذ 10 أشهر
الأربعاء - 17 يونيو 2026

محمد شريف أبو ميسم ||
مقالي الاثنين 2025/08/25 في جريدة الصباح

 

 

خلال سنوات ما سمي بالمرحلة الانتقالية والتكيف مع ملامح الدولة الديموقراطية، قدمت لنا وسائل الاعلام شخصيات شديدة الانتقاد لظاهرة الفساد، كثيرة الحديث عنها بالأرقام والظواهر وتعدد الحالات وتكرارها، حتى بدت وكأنها شخصيات نخبوية مثالية تدعو لمجتمع مدني تسوده النزاهة والعدالة الاجتماعية، ولكن وللأسف الشديد انتهى البعض منها في نهاية المطاف متهم ومدان بأدلة قاطعة بقضايا فساد أمام القضاء.

وما زالت وسائل الاعلام تقدم لنا من يهاجم الآخرين بما في داخله من عيوب، فيسقط عيوبه على غيره بهدف خلط الأوراق واثارة الضجيج، في محاولة لتقديم ظاهرة الفساد بوصفها ظاهرة مجتمعية طبيعية، أو للتعمية على الرأي العام بهدف تجنب مواجهة الذات، من خلال اعطاء مبررات وتبريرات لسلوكياته، التي يتمنى اسقاطها على الآخرين، وهذا ما يسميه المختصون في علم النفس بالاسقاط النفسي.

ولتغوّل هذه الظاهرة التي سحبت خلفها الكثير من الارهاصات والتداعيات المجتمعية، بات السكوت عليها أمرا غاية في الخطورة، وبات مطلب تقديم الأدلة أمام القضاء من قبل المدّعين عبر وسائل الاعلام بوجود حالات فساد أو استغلال للمنصب ملحا، للحد من هذه الظاهرة التي ساهمت في ارباك المشهد، وكرست حالة فقدان الثقة بالدولة ومؤسساتها الرقابية، والتي انسحبت الى مساحات خطيرة ذات صلة بالمصلحة الوطنية والأمن العام حين لا يجد المدعين بوجود شبهات فساد من يطالبهم بتقديم الأدلة للسلطات القضائية،

أو عندما تصل آلتهم الى مستوى الخيانة عبر التخابر مع الأجنبي والحصول على تمويل من جهات خارجية، حتى بات توظيف هذه الادعاءات في الصراعات السياسية والطائفية أو عبر محاولات لتمزيق النسيج المجتمعي مكرور بشكل لافت. لقد ابتلي الوعي الجمعي بما يشبه حالة عدم اليقين الناجمة عن التكرار في اشتباك الحقائق وتقاطع المصداقية الخطابية التي تتبناها وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، ما جعل التعاطي مع أخبار الفساد والمفسدين الصغار ازاء ما يقال بشأن التعدي على المال العام وحقوق البلاد والعباد، أشبه باسقاط فرض مجتمعي، وتمثيل الوعي لاشكالية التكرار بوصفها ممارسة يومية فردية لا يعاب عليها.

وهنا يكون تدخل الجهات ذات العلاقة أمرا ملحا ومطلبا وطنيا، سواء عبر استحداث جهة في هيئة الاعلام والاتصالات، تكون وظيفتها (حصرا) في مراقبة البرامج التلفزيونية ومواقع التواصل الاجتماعي لرصد المدعين واجبارهم على تقديم الأدلة، أو احالتهم الى القضاء بتهم الادعاء الكاذب،

مع أهمية استقبال البلاغات من الجمهور عبر منصة خاصة، يحال من خلالها أي ادعاء يروّج عن حالات فساد دون أدلة، بما يجعل التعاطي مع اشكالية الفساد عبر القنوات القانونية وليس عبر وسائل الاعلام، الا إذا كان الادعاء مدعوما بالدليل أو على أقل تقدير بالشبهات كما في التحقيقات الاستقصائية.

وللحد من حالة النكوص المجتمعي التي توغلت في اللاوعي الجمعي حد التسليم بكل ما يقال في هذا الشأن، تكون الحاجة ماسة لتشريع قانون خاص بهذا الشأن، يعاقب من يلقي التهم والادعاءات على عواهنها عبر وسائل الاعلام ومواقع التواصل بغرامات مالية على أقل تقدير ما لم يقدم الدليل على ما يدعيه، ومن الأهمية بمكان أن يكافأ من يبلّغ عن حالات فساد للجهات الرقابية والقضائية.

ان افلات المصابين بحالات الاسقاط النفسي أو ما يسمى بالانفصام الأخلاقي من المعالجة النفسية، لا يعفيهم من المسائلة القانونية وهم يبررون لأنفسهم ولمن معهم ما لا ينسجم مع بناء مجتمع قيمي تسود فيه النزاهة والعدالة الاجتماعية، ويبدو توظيف هذا الاسقاط واضحا أيضا عند بعض المتصيدين في وسائل الاعلام، بهدف زعزعة الأمن واثارة الفرقة بين أبناء البلد الواحد لأغراض سياسية أو لصالح جهات خارجية.