الأربعاء - 17 يونيو 2026
منذ 10 أشهر
الأربعاء - 17 يونيو 2026

محمد شريف أبو ميسم ||
مقالي اليوم الخميس 2025/08/21 في جريدة الصباح

 

 

 

على مدار عمر دولة الكيان الصهيوني البالغ سبعة وسبعون عاما، والذي تخللته أربعة حروب كبيرة مع العرب، وسلسلة طويلة من المؤامرات والانتهاكات والاجتياحات في الأراضي المحتلة والاراضي اللبنانية، ومؤخرا في سوريا، كان ثمة رأي عربي في مساحة ضيقة يدعو للسلام مع هذا الكيان على الرغم من النهج التوسعي الذي يتبناه والجرائم التي يرتكبها، حتى وصلنا إلى مراحل التطبيع وما يقال بشأن المشروع الابراهيمي بدعوى وحدة الأديان والتعايش في منطقة يقودها هذا الكيان ومن خلفه الدولة العميقة التي تدير شؤون نحو ثلاثة أرباع الكوكب عبر الشركات التي تحكم العالم.

وفي الجانب الآخر، ثمة تيار مقاوم، يرى في وجود هذا الكيان مشروعا توسعيا قائما على السرديات اليهودية المحرفة، التي تدعي وجود وعد الاهي بما يسمى أرض الميعاد الممتدة من النيل إلى الفرات لشعب الله المختار، والذي يتماهى مع الشعار الماسوني “من الماء إلى الماء تترامى أطراف الدولة الصهيونية الكبرى”، وان المقاومة هي السبيل الوحيد حيال هذا التهديد الوجودي.

وازاء تناقض الرأيين، وتعاقب الهزائم التي تلقاها العرب، تبلور الرأي الأول بشكل يخدم المشروع الصهيوني، مدعوما اعلاميا بوصفه رأيا يدعو للسلام والتعايش وتجنيب شعوب المنطقة ويلات حروب لا تلحق بالعرب الا الهزائم .

وفي زمن توظف فيه أدوات العولمة الثقافية لتدجين الرأي العام، واجه ويواجه الرأي الثاني خذلانا وصعوبة في القبول جراء ارتفاع كلفة المواجهة مع كيان مدعوما عالميا، وباتت البيئات العربية القائمة على الاستهلاك واشباع الحاجات، طاردة لهذا الرأي، الذي تبنته البيئات العقائدية بوصفه وظيفة وتكليف الاهي،

ومع بروز هذا الاتجاه، سعت الدوائر الصهيونية لسياسة التفكيك، اذ دخلت شعوب دول المنطقة في معترك الطائفية، وتصاعد تيار الكراهية تبعا للهويات الفرعية، حتى وصل الأمر لمحاربة نهج المقاومة من داخل نسيج التشكيلات العربية، اعتماد على الفتن، وصناعة الأعداء الوهميين التي يجيد الكيان ادارتها.

وفي الثالث عشر من آب الحالي أعلن رئيس وزراء الكيان “بنيامين نتنياهو”، وبكل صراحة خلال مقابلة تلفزيونية مع قناة “i24” عن استراتيجيته التي كان يبشر بها تحت مسمى الشكل الجديد للشرق الأوسط، قائلا “إنني في مهمة تاريخية وروحانية مرتبط عاطفيا برؤية إسرائيل الكبرى”.

وهذا التصريح أسقط ورقة التوت عن دعاة التطبيع، وباتت حجة الداعين للسلام والتعايش مع كيان توسعي أمرا لا ينسجم مع دعواتهم الا في اطار مصالحهم الخاصة، لتكون المقاومة هي السبيل الوحيد لردع هذا الكيان وأوهامه التوسعية، التي تؤكدها الأحداث في غزة والضفة الغربية وسوريا، في ظل حالة الضعف والفرقة والهوان التي تعيشها دول المنطقة بفعل المؤامرات والدسائس.

ان ما كشف عنه هذا النتنياهو لا يقتصر على مشاعر شخصية ورغبات جنونية تتغذى على دماء الأطفال والنساء ليكون بطلا في نظر المؤسسة الصهيونية وحسب، بل هو منطلق عقائدي قائم على السرديات اليهودية التي صنعتها الصهيونية العالمية، بهدف تحقيق حلم الكيان في صورته الكبرى التي تتماهى مع مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي يقع في قلب هذا العالم ومن خلاله يمكن السيطرة على الجهات الأربعة،

ثم الانتقال بالمنطقة إلى تحولات جذرية كشف عنها معهد “التوراة والأرض” في الكيان الصهيوني عبر موقعه الإلكتروني بدعوى أن حدود الكيان التاريخية تمتد من نهر الفرات شرقا إلى نهر النيل غربا، وتسحب خلفها تغيرات ديموغرافية عبر تجميع صهاينة العالم بدواعي الاستثمار الأجنبي، فعندما سئل نتنياهو عن شعوره وهو يقوم بمهمته نيابة عن الشعب اليهودي، أجاب قائلا، انه “يتولى مهمة أجيال من اليهود، حلمت بالمجيء إلى هنا، وأجيال من اليهود ستأتي بعدنا”.

وازاء هذا الوضوح في كشف أطماع الأستراتيجية الصهيونية، بات الصراع لا يحتمل خيارا ثالثا وسط مساحة التنظير والسفسطة التي تغص بها وسائل الاعلام، فأما أن تكون مع المقاومة لردع نتنياهو والاحتلال، وأما أن تكون مع نتنياهو في استراتيجية التوسع على حساب معركة الوجود.