وصيّةُ الجدِّ المبارك والهِجرةُ القسريّة..!
آزاد محسن ||

رحمَ اللهُ جدّي الشيخَ مباركَ شيخَ الشرفِ والكرامةِ الذي عاشَ وأجدادي وأبي وأعمامي في قريةٍ أسّسها بعرقِه وصدقِ قلبِه (قريةُ مبارك) في قضاءِ خانقينَ بمحافظةِ ديالى، كانوا أُناساً مسالمين يزرعونَ الأرضَ الطاهرةَ بيدٍ ونيّةٍ صافية، ويحصدونَ خيراتها ليعيشوا بكرامةٍ
لا خوفاً من طاغيةٍ ولاذلًّاً أمامَ جائر.
لكن عام 1975 جاء كالبركانِ على حياتِهم حين أصدرَ الطاغيةُ صدّام أوامرَه بالتهجيرِ القسريِّ، مُصادِراً أراضيَهم وبيوتَهم ومواشيَهم، حتى وسائلَ ركوبِهم أخذتْها جبروتُ السلطة، لم يبقَ لهم سوى إيمانِهم العميقِ وولاؤُهم لأميرِ المؤمنينَ عليِّ بنِ أبي طالب “عليه السلام”.
قبلَ الرحيلِ وقفَ جدُّنا الشيخُ مباركٌ شامخاً كالجبالِ وألقى وصيّتَه الخالدةَ على أبنائِه كأنّها شعلةُ ثورةٍ لا تنطفئْ:
«أوصيكم يا أبنائي أن تتجهوا نحو الوسطِ والجنوبِ ففيها قلوبٌ مواليةٌ لعليِّ بنِ أبي طالبٍ، اثبُتوا على الولايةِ ولا تذهبوا نحو الشمالِ فتفقدوها بمرورِ الزمنِ وتبدّلِ الأجيال»
أخذوا بنصيحتِه المخلصةِ فهاجروا مُكرَهين نحو بغدادَ، إلى مدينةِ الثورةِ آنذاك (مدينة الصدرِ اليوم)، وهناك احتضنَهم أهلُها الطيّبون وتعايشوا معهم تحت ظلِّ محبّةِ علي وولايتِه، ليبقى الوعدُ والوفاءُ والثباتُ على العهدِ رغمَ مرارةِ التهجيرِ وفقدانِ الديار.
تحوّلت محنتُهم إلى منحةٍ، إذ رزقَهم اللهُ نعمةَ الثباتِ على ولايةِ أهلِ البيتِ “عليهم السلام”، وجعلَ وصيّةَ الجدِّ المباركِ حِصناً منيعاً في الدنيا ودرعاً يحميهم من ضياعِ الهويّةِ وذخراً عظيماً في الآخرة.
شكراً لكَ يا جدَّنا المباركَ لأنّك تركتَ لنا أعظمَ ميراثٍ: حبَّ عليِّ وأهلِ البيتِ “عليهم السلام”.
شكراً لأنّك علّمتنا أنّ الأرضَ قد تضيعُ والمالَ قد يزول، لكنَّ الولايةَ لا تزولُ
ولا تموتُ.
شكراً لأنّك غرستَ فينا إيماناً لا تهزُّه العواصفُ ولا تُطفئُه الأيّامُ.
شكراً لأنّك جعلتَنا ندركُ أن من فقدَ الأرضَ ولم يفقد الولايةَ لم يخسرْ شيئاً، ومن ملكَ الدنيا كلَّها وخسرَ حبَّ عليٍّ خسرَ كلَّ شيء.
ستظلُّ صدى وصيّتِك تصرخُ فينا، لن يثنينا جبروتُ الطغاةِ عن حبِّ الحقِّ، ولن يقهرَنا الزمنُ عن ولائِنا، فالولايةُ باقيةٌ، ونحنُ لها حافظون مهما كانت الظروفُ ومهما طال الطريقُ.




