الأحد - 14 يونيو 2026

العراق وأزمة المياه: بين استحقاق القانون الدولي وصمت السياسة..!

منذ 10 أشهر
الأحد - 14 يونيو 2026

الخبير القانوني د. محسن حنون العكيلي ||

 

 

 

يمر العراق اليوم بأخطر أزمة مائية في تاريخه الحديث، بل لعلها الأخطر منذ أن عرفت حضارات وادي الرافدين معنى الزراعة والري. نهرا دجلة والفرات، شريان الحياة للعراقيين منذ آلاف السنين، يمران بأسوأ حالاتهما نتيجة الإجراءات الأحادية التي اتخذتها تركيا، دولة المنبع، عبر بناء السدود الضخمة والتحكم الجائر بمنسوب المياه المتدفقة نحو الأراضي العراقية، في انتهاك صريح لقواعد القانون الدولي التي تفرض على دول المنبع احترام حقوق دول المصب في الموارد المائية المشتركة.

المرتكزات القانونية لحق العراق المائي
القانون الدولي، سواء من خلال الاتفاقيات أو القواعد العرفية، يمنح العراق حقًا ثابتًا في مياه دجلة والفرات. “اتفاقية الأمم المتحدة بشأن استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية لعام 1997” تنص في المادة 5 على مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول للمجاري المائية المشتركة، وفي المادة 7 على التزام الدول بعدم التسبب بـ”ضرر ذي شأن” لدول المصب، مع وجوب إيجاد حلول عادلة في حال وقوع الضرر، بينما تُلزم المادة 12 دولة المنبع بإخطار دول المصب مسبقًا بأي مشروعات أو تدابير قد تؤثر على تدفق المياه.

وتعزز هذه المبادئ قواعد هلسنكي لعام 1966، التي وإن لم تكن ملزمة قانونيًا، إلا أنها تعد مرجعًا مهمًا رسخته الممارسات الدولية، وتنص على تقسيم المياه المشتركة بشكل منصف، مع مراعاة الاحتياجات السكانية والاقتصادية والبيئية لكل دولة.

كما أرست محكمة العدل الدولية في قضية مشروع نهر الدانوب (المجر/سلوفاكيا) عام 1997 مبدأً جوهريًا مفاده أن استغلال دولة لمورد مائي مشترك على نحو يضر بحقوق دولة أخرى يمثل خرقًا للقانون الدولي. ويعزز ذلك مبدأ السيادة المقيدة الذي يقيد حق دولة المنبع في التصرف المطلق بمياه النهر المشترك إذا كان ذلك يضر بدول المصب.

إضافة إلى ذلك، هناك اتفاقيات ثنائية، منها بروتوكول عام 1987 الذي ألزمت فيه تركيا نفسها بتأمين معدل تدفق لا يقل عن 500 متر مكعب في الثانية عند الحدود التركية-السورية، مع مراعاة الحصص العراقية في إطار التفاهم الثلاثي (العراق-سوريا-تركيا).

البعد السياسي للأزمة لا يقل خطورة عن بعدها القانوني. العراق يمتلك أوراق ضغط حقيقية على تركيا، سواء عبر ملف التبادل التجاري الضخم الذي يصل إلى 20 مليار دولار سنويًا، أو عبر الاستثمارات والشركات التركية العاملة في العراق. لكن هذه الأوراق لم تُستخدم حتى الآن بالشكل الفعّال الذي يجبر أنقرة على الالتزام بالقانون الدولي وتزويد العراق بحصته المائية الكاملة.

إن استمرار الحكومة العراقية في سياسة التراخي إزاء هذا الملف يعرض البلاد لكارثة إنسانية وبيئية واقتصادية، وقد يفتح الباب أمام صراعات إقليمية على المياه، كما حدث في مناطق أخرى من العالم. فالمياه في القرن الحادي والعشرين ليست مجرد مورد طبيعي، بل باتت أداة ضغط ونفوذ، بل وحتى سببًا للحروب.

إن ما يحتاجه العراق اليوم هو موقف وطني حاسم يوظف القانون الدولي والسياسة الخارجية بفاعلية، ويستثمر جميع الأوراق الاقتصادية والدبلوماسية، لفرض حقه في الحياة. فالتاريخ لن يرحم من يفرط بالماء، لأنه يفرط بالوطن نفسه.