الأربعاء - 17 يونيو 2026
منذ 10 أشهر
الأربعاء - 17 يونيو 2026

محمد شريف أبو ميسم ||

 

 

مقالي اليوم الاثنين 2025/08/11 في جريدة الصباح

ثمة اشتباك كبير بين مفهومي حرية التعبير وخطاب الكراهية في الديموقراطيات الناشئة، اذ غالبا ما يساء توظيف الأولى لتكون نافذة لتمرير أنصاف الحقائق والأكاذيب في الممارسات الانتخابية او في حالات التصارع السياسي، مع أن حرية التعبير ليست مطلقة وفق الدساتير التي عرفتها النظم الديموقراطية، لأن حقوق الفرد مرتبطة ارتباطا وثيقا بحقوق الآخرين،

اذ تصان حرية التعبير بالتساوق مع احترام حرية الآخرين والدفاع عنهم، وبخلاف ذلك فان حرية التعبير بوصفها حقا أساسيا من حقوق الانسان قد تصطدم بثوابت الديموقراطية القائمة على حماية الأمن المجتمعي والأمن العام، وعلى هذا الأساس تسن القوانين التي تضع حد لتوظيفات هذا النوع من الحريات الذي قد يسيء إلى جوهر الديموقراطية.

فما بالك حين توظف حرية التعبير في الترويج للكراهية بين تشكيلات المجتمع، بدفع من جهات لها المصلحة في اثارة النزاعات والنعرات بهدف الكسب الانتخابي أو بهدف تمزيق النسيج المجتمعي لصالح الأجندات الخارجية،

التي تسعى إلى إنهاك المجتمع واستلاب ارادته.وقد شهدت بلادنا كل أشكال هذه الممارسات على مدار أكثر من عشرين عاما، الأمر الذي كرس الاختلالات الهيكلية في البنية المجتمعية التي اوجدتها او أعادة انتاجها بعض الارادات الدولية عبر تسويق واعادة انتاج الأحداث والنصوص الخلافية في سيرة التاريخ على حساب الهوية الوطنية.

وبات من الخطأ السكوت على هذه الممارسات التي تحولت إلى ظاهرة سياسية واعلامية، دون تشريع قانوني صريح يضع حدا لتداعياتها، بعد أن باتت أشبه بالوباء الاعلامي الذي يهيمن على بعض البرامج الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي،

على الرغم من بعض الاجراءات الحكومية التي تخللها اصدار تعليمات لمراقبة مصادر الكراهية والتحريض الطائفي، واتخاذ الاجراءات قانونية ضد المروجين الذين يجدون في النوافذ الاعلامية والحوارات التلفزيونية نافذة لتمرير خطاب الكراهية، فضلا عن صناعة الرموز التافهة، التي اعتمدت الضرب على وتر الكراهية للانتشار .

وقد يقول قائل ان المادة 200 من قانون العقوبات 111 لسنة 1969 تعاقب بالسجن من يثير النعرات الطائفية او المذهبية او العنصرية، وأن قانون مكافحة الارهاب رقم 13 لسنة 2005 يعتبر الفتنة الطائفية من صور الارهاب ويعاقب عليها، ولكن هل استطاعت هذه القوانين أن تمنع استخدامات حرية التعبير في الترويج للكراهية على مواقع التواصل الاجتماعي تحديدا؟.

نحن الآن، بأمس الحاجة لقانون صريح ومفصل يجرّم التحريض واثارة الفتن، ويضع تعريف واضح وشامل لخطاب الكراهية ويحد من اعتماد أنصاف الحقائق في اثارة الجمهور، اذ ما تزال السلطات القضائية والتنفيذية تعتمد على قانون العقوبات وقانون مكافحة الارهاب، مع بعض الاجراءات الرقابية والتنفيذية،

في وقت تتصاعد فيه وتيرة هذا النوع من الخطابات المسمومة، التي يخشى تغوّل انعكاساتها على السلم المجتمعي، وكلما اقتربنا أكثر من موعد الانتخابات المقبلة في الحادي عشر من تشرين الثاني، كلما ازدادت وتيرة هذا الخطاب الذي يمارس مريدوه وبحرفية عالية فعاليات النبش في الأحداث والمعطيات والتصريحات لاستخراج مواد خام صالحة لصناعة الكراهية بين أبناء البلد الواحد حد التراشق بالأقاويل المختلفة والمتنوعة على مواقع التواصل الاجتماعي،

على أن يلزم هذا القانون وزارة الاتصالات بحجب الصفحات الوهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، التي تتزايد بشكل ملحوظ وبأسماء مختلفة ومتنوعة، وهي تطرح المسائل الخلافية وتزيد من التعليقات الاستفزازية المدسوسة بهدف تصعيد مستوى الكراهية وزيادة الاحتقان لدى البسطاء والسذج من الناس، وخاصة بين الفئات الشبابية.

واذا كان من الصعوبة اعادة مسودة “قانون مكافحة التحريض الطائفي والحد من الكراهية” التي قدمتها الحكومة في العام 2017 إلى البرلمان، وتم تعطيلها بدعوى ضمان التوازن بين حرية التعبير وضوابط خطاب الكراهية، فالأولى الآن وتحت ضغط التصاعد في شكل هذا الخطاب، أن تزيد وزارة الداخلية وهيئة الاعلام والاتصالات إجراءاتهما القانونية ضد جماعات وأفراد لا حديث لهما سوى الترويج والتحريض على الكراهية.