مأساة غزة.. بين دعم جرائم الكيان والسكوت عنها..!
عادل الجبوري ||

ماذا تعكس المأساة الإنسانية المؤلمة التي يئن تحت وطأتها آلاف الاطفال والنساء والشيوخ والرجال في قطاع غزة، نتيجة الإجرام الصهيوني المتمثل بقطع كل سبل ووسائل البقاء على قيد الحياة؟.لا شك أنه من الصعب بمكان الإجابة على مثل هذا التساؤل بعبارات مقتضبة، وجمل محددة، دون المرور على أحداث ووقائع ومعطيات وحقائق ومواقف وشواهد، أفضت جميعها إلى تشكيل تلك الصورة البشعة، التي غابت عنها كل معالم وملامح الإنسانية.
لا يمكن القول إن هؤلاء الذين يعانون أقسى درجات الجوع في قطاع غزة، قد انهزموا، وأن الكيان الصهيوني قد انتصر، فهذا الأخير، الذي خاض على مدى عامين من الزمن تقريبا، حربا متعددة الجبهات والميادين في فلسطين ولبنان واليمن وسوريا وايران، لم ينجح إلا في امر واحد، الا وهو القتل والتدمير والتخريب الدموي الهمجي البربري الممنهج،
اذ انه لم يقضِ على حركة حماس، والدليل على ذلك أنه يفاوضها اليوم، من أجل الخروج من المستنقع الذي غاص فيه، ولم يقض على حزب الله اللبناني، والدليل على ذلك، انه يسعى جاهدا عبر الولايات المتحدة الأميركية وأطراف أخرى لنزع سلاحه، ولم ينه تهديد حركة انصار الله اليمنية (الحوثيين)، التي جعلت كابوس الهروب إلى الملاجئ يطارد الصهاينة ليلا ونهارا، ولم يسقط النظام الإيراني كما أراد وخطط الكيان، وبدلا من ذلك راح الأخير يتوسل انهاء الحرب عبر وسطاء اقليميين ودوليين، بعدما شارفت مدن صهيونية على الانهيار الكامل بفعل الصواريخ والمسيرات الإيرانية.
ولأنه فشل في حسم أي ملف، وفي القضاء على أي خصم له، فإنه ولكي يحفظ ماء وجهه ويحافظ على بقائه، سواء ككيان بمؤسساته المختلفة، أو كرئيس حكومة متورط ومطلوب للقضاء، ذهب بعيدا في ارتكاب أبشع وأفظع الجرائم، التي وصلت إلى حد اغلاق المنافذ لايصال الغذاء والدواء لابناء غزة.
استفاد ذلك الكيان المتهالك جراء هزائمه وانكساراته وخيباته المتلاحقة، من الدعم والاسناد والتشجيع الأميركي- الغربي المتواصل، والذي لولاه، لما كان بإمكانه الصمود على أي واحدة من الجبهات لاكثر من بضعة اسابيع أو لشهور قلائل. ولا يتحرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وكبار مساعديه ومستشاريه وأعضاء فريقه الحكومي، من التصريح بكل وضوح بمساندة الكيان ودعمه فيما يشنه من حروب عدوانية، وما يرتكبه من جرائم ومجازر دموية.
الى جانب ذلك، فإن التململ والانزعاج الأوروبي حيال جرائم الكيان الصهيوني، لا يختلف- او لا يبتعد كثيرا من حيث الجوهر والمضمون-عن الموقف الأميركي، لان ساسة تل ابيب، لا تقلقهم ولا ترعبهم الخطب والكلمات والبيانات، بقدر ما تقض مضاجعهم الأفعال المؤثرة، ولعل هذا هو سر عدم اكتراثهم واهتمامهم الحقيقي بمجمل ما يصدر من حكومات دول أوروبية من بيانات ترفض تجويع ومحاصرة الفلسطينيين في قطاع غزة، بينما لا يهدأ لهم بال بسبب الهجمات الصاروخية اليمنية المتواصلة.
وقد يكون الصمت والتخاذل العربي حيال جرائم الكيان الصهيوني هو الأسوأ، لأن الولايات المتحدة الأميركية والعديد من الحكومات الغربية الأوروبية، لها مبرراتها وحججها الواقعية، حينما تدعم وتساند الكيان، أو تغض الطرف عن جرائمه. لكن الصمت والتخاذل العربي، من غير الممكن قبوله وتبريره، لأن هناك قواسم دينية وقومية وتاريخية مشتركة، والتزامات وواجبات ومسؤوليات أخلاقية، ينبغي ان تكون حاضرة لدى حكومات وانظمة وشعوب العالم العربي، وهم يشاهدون ويراقبون ويستمعون إلى ما يحصل من فظائع في قطاع غزة.
للأسف، الكلام العربي في واد والفعل العربي في واد اخر، فلدى العرب موارد مالية ضخمة، وقدرات بشرية هائلة، وعناصر قوة ذاتية كثيرة، لو تم توظيف جزء منها، وليس كلها لنصرة الشعب الفلسطيني لتغير الواقع بصورة جذرية. بيد أن الكيان الصهيوني بات يستفيد من تلك الموارد والقدرات وعناصر القوة اكثر من الفلسطينيين والعرب انفسهم.
وحتى أن من يرفع راية المقاومة والنضال في العالمين العربي والاسلامي ضد الكيان الصهيوني، يجد نفسه محاربا ومحاصرا ومعزولا، كما هو الحال مع حركات المقاومة الوطنية الفلسطينية، وحزب الله اللبناني، والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وحركة انصار الله اليمنية.
والمؤلم حقا، ان نجد أصواتا ومواقف اجنبية داعمة ومساندة لفلسطين، افضل بكثير من المواقف المخزية لمعظم الحكومات والانظمة العربية، مثل مواقف اسبانيا وجنوب افريقيا والبرازيل وفنزويلا وغيرها. في الوقت الذي يعجز فيه العرب عن فتح منفذ حدودي- كمعبر رفح بين مصر وفلسطين- لإدخال شاحنات الغذاء والدواء إلى قطاع غزة.
لن تنته المأساة الفلسطينية، ولن تتوقف العنجهية الصهيونية، ولن تنطوي صفحة الاجرام الإسرائيلي، ما لم تتبدل المواقف وتصحو الضمائر وينتفض ويثور المنهزمون والمتخاذلون والصامتون في مشارق الأرض ومغاربها!.




