الجمعة - 15 مايو 2026

ولاية الفقيه في إيران بين الشرعية الثورية وتحديات الدولة..!

منذ 9 أشهر
الجمعة - 15 مايو 2026

✍ د. إسماعيل النجار ||

 

 

منذ انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، تشكّل مفهوم “ولاية الفقيه” كمرتكز أساسي للنظام السياسي الإيراني، وكمحور جدل واسع في العالم الإسلامي والدولي. هذا المفهوم الذي أرساه الإمام الخميني، بات الإطار الشرعي والدستوري الذي يدير الدولة، ويوجه قراراتها الداخلية والخارجية.

لكن كيف وُلِدت هذه الفكرة؟ وما أهدافها؟ وهل استطاعت أن تحقق لإيران ما عجزت عنه الأنظمة السابقة؟ ثم، ما مدى قوتها الاقتصادية والعسكرية؟ ومن يهدد بقاء هذا النظام أكثر: السعودية أم إسرائيل؟ أسئلة محورية نناقشها في هذا المقال بلغة علمية وسياق تحليلي هادئ.

*الجذور الفكرية لنظرية “الولي الفقيه”
هي ليست وليدة القرن العشرين، بل تعود جذورها إلى عدة فقهاء شيعة سابقين مثل الشيخ النراقي وغيره، الذين ناقشوا دور الولي الفقيه في زمن غيبة الإمام المهدي.

إلا أن التحول النوعي في هذا الإطار حصل مع الإمام الخميني قدس سره، الذي نظّر للنظرية بصيغتها السياسية والسلطوية في كتابه “الحكومة الإسلامية”. عام 1970 من القرن الماضي، لم يكتفِ بمنح الولي الفقيه دورًا دينيًا أو قضائيًا فحسب، إنما جعله قائدًا عامًا للأمة، في غياب الإمام المعصوم، بما يشبه الخلافة الإسلامية بطابعٍ شيعي. فالهدف من “ولاية الفقيه”

يرمي عبر هذه النظرية إلى تأمين قيادة شرعية عادلة تقوم مقام الإمام المعصوم في إدارة الدولة والمجتمع، وتمنع الانحراف السياسي أو التبعية للغرب. كما تهدف إلى بناء نموذج حكم إسلامي قائم على العدالة والشورى، ويعتمد فيه الفقيه العادل “الخبير بالشريعة والسياسة” كمرجع أعلى وصمام أمان.

*هذا النموذج اعتبره الإمام الخميني بديلًا عن النماذج الملكية أو العلمانية، وجعل منه موجهًا لكافة السياسات، من الاقتصاد إلى التعليم، ومن العلاقات الدولية إلى الإعلام. فالاستفادة من النظام كانت تواجه نجاحات وإخفاقات منذ تأسيس نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، من هنا استطاع نظام “الولي الفقيه” أن يحقق عدة مكاسب لإيران؛

*على الصعيد الداخلي مثلاً؛ تم ترسيخ الهوية الإسلامية الثورية في مؤسسات الدولة، ومنها بناء مؤسسة الحرس الثوري العقائدية ووظيفتها حماية النظام الإسلامي الجديد داخليًا وخارجيًا.

*تطوير القدرات العلمية والطبية والزراعية والصناعية رغم العقوبات الأميركية والغربية الشديدة التي فُرِضَت على البلاد، لا سيما التقدم الكبير في مجالات التكنولوجيا النووية والصاروخية.

*على الصعيد الإقليمي؛ تم تأسيس شبكة تحالفات إيديولوجية مسلحة في لبنان، والعراق، واليمن، وسوريا، وفلسطين. من خلالهم تم تأمين نفوذ إيراني غير مسبوق في عمق العالم العربي الإسلامي. لكن هذه المكاسب رافقها إخفاقات متكررة على المستويين الداخلي والخارجي!

داخليًا؛ إسترخاء قبضة الأمن وغياب العيون الساهرة مما سهلَ لإسرائيل تجنيد الآلاف من العملاء وإدخال أسلحه ومتفجرات ومعدات الى الداخل الإيراني وعلى رأسها العاصمة طهران!. + تدهور اقتصادي مستمر بفعل العقوبات.

*أما خارجيًا؛
عانت إيران ولا تزال من عزلة دولية خانقة، واتهامات باطله دائمة بزعزعة الاستقرار الإقليمي.

*حرب باردة مع أميركا وإسرائيل تحولت إلى صدام عسكري مخيف في الشهر المنصرم وربما تتجدد،

*مواجهة شبه دائمة مع السعودية تترنح بين البرودة والتهديد؟. لكن في مقارنة بين حكم الشاه المخلوع ونظام الولي الفقيه نرى أن السيادة الوطنية في عهد الشاه كانت مرتهنه للغرب وأمريكا ولا استقلالية سياسية ولو بشكل نسبي!.

*أما في عهد الولي الفقيه إتبع النظام الإسلامي نمط معاداة الغرب بالهوية الثقافية ومارس تغريب ثقافتهم عن مجتمعاتهم وأصبحت تبعيتة الثقافية إلى الإسلام الحنيف الأصيل وتأصيل ديني محمدي لا غبار عليه.

*النظام الإسلامي الثوري أحدث طفرة في التنمية الاقتصادية وطفرة نفطية مشروطة بإكتفاء جزئي في ظل الصراع الإقتصادي، وعدم التفريط بالثروة النفطيه، أما القوة العسكرية في إيران عبارة جيش تقليدي جيش + حرس ثوري يعتبر العمود الفقري للبلاد، ورغم أن نظام الشاه وفّر مظاهر حداثة سطحية، إلا أن نظام “الولي الفقيه” استطاع فرض معادلة إقليمية أكثر تأثيرًا، وإن على حساب البعض في الداخل الإيراني.

* لذلك يطرح البعض سؤال هل تُعتبر إيران دولة قوية أم مأزومة؟
على المستوى العسكري؛ تُعد إيران من القوى العسكرية الأقوى الصاعدة في المنطقة. حيث طورت برنامجًا صاروخيًا متقدمًا، وطائرات مسيّرة. وتقود شبكات حرب غير متكافئة (asymmetric warfare). وتسعى لامتلاك قدرة نووية رادعة، وإن لم تعترف بها رسميًا.
اقتصاديًا الاقتصاد الإيراني يعاني من عقوبات أمريكية وأوروبية مشددة.

وانخفاض مستمر في قيمة العملة، وارتفاع نسب التضخم والبطالة.
لذلك أصبح الإعتماد المفرط على الصادرات النفطية.

*في النتيجة؛ إيران عسكريًا أقوى مما هي عليه اقتصاديًا، لكنها لا تزال تصمد بفضل اقتصاد “المقاومة” والاعتماد على الذات.

*سؤال آخر يُطرح من الذي يشكل الخطر الأكبر على النظام الإيراني السعودية أم إسرائيل؟ الجواب بالنسبة للسعودية؛ التهديد سياسي وإعلامي بالدرجة الأولى. أما على صعيد المواجهة مع إيران تتم غالبًا عبر الحروب بالوكالة في اليمن، العراق، وسوريا. مع ذلك شهدت العلاقات تقاربًا جزئيًا برعاية بين البلدين بفضل مساعي الصين عام 2023. أما إسرائيل فهي التي تُعتبر أنها تشكل التهديد الأخطر للنظام الإيراني، فهي تنفذ عمليات اغتيال ضد العلماء النوويين. وكانت تشن هجمات على قواعد إيرانية في سوريا. وتدعم العقوبات الدولية على طهران.

وتُهدد بضربة استباقية لمنع طهران من امتلاك سلاح نووي فعلتها في 13 يونيو من الشهر الماضي. لذلك التهديد الإسرائيلي عسكري-استخباراتي وجودي، بينما

السعودي سياسي-إعلامي عقائدي.
*من هنا سياسة إيران في الإقليم أصبحت تسير على نحوٍ متوازن بين المصالح والمعاداة؟
فرغم الخطاب العدائي للبعض، فإن السياسة الخارجية الإيرانية تُدار وفق منطق المصالح.وتُفضل طهران المواجهات غير المباشرة وتدير صراعاتها عبر حلفاء لها في العراق؛عبر الفصائل المجاهدة الموالية،”
في اليمن؛ عبر حركة أنصار الله ضد التحالف بقيادة السعودية.

*في سوريا قبل سقوط النظام؛ دعم الأسد ضد الإرهابيين.

*في لبنان؛ عبر حزب الله كقوة ردع ضد إسرائيل.

*وفي فلسطين؛ عبر دعم فصائل المقاومة الفلسطينية المسلحة لربط القضية بهويتها الثورية بعدما ألقاها العرب في سلة المهملات.

*في ختام هذه السردية أن جدلية الثورة والدولة أثبت من خلالها نظام “ولاية الفقيه” أنه ليس مجرّد فكرة فقهية، بل منظومة حكم متكاملة وظفت الدين والسياسة والجغرافيا والتاريخ في معركة بناء دولة مختلفة. ورغم التحديات الداخلية والانهيارات الاقتصادية، لا تزال إيران فاعلًا أساسيًا في الشرق الأوسط، وصاحب مشروع إقليمي واضح. لكن استمرار هذا النظام مرتبط بقدرته على الإصلاح الداخلي، وتحديث أدواته الفكرية والسياسية، لا سيما في ظل الأجيال الجديدة المتعطشة للحرية والانفتاح.

بيروت في،، 5/8/2025