الأربعاء - 17 يونيو 2026

كيف دمّرت المحاصصة مشروع بناء الدولة؟!

منذ 11 شهر
الأربعاء - 17 يونيو 2026

طه حسن الأركوازي ||

 

 

( الجزء الثالث ) من موسوعة المحاصصة وتأثيرها على بناء الدولة .؟

لم تكن لحظة سقوط النظام السابق عام 2003 مجرد أنتقال سياسي ، بل وُصفت بأنها بداية عهدٍ جديد يُفترض أن يؤسس لدولة ديمقراطية حديثة تنهض على أنقاض الاستبداد ، وتُبنى على قاعدة المواطنة والعدالة والمؤسسات ، غير أن هذا المسار سرعان ما أختُطف في مراحله الأولى ، حين تسلّل من بين ثناياه نظامٌ موازٍ للدولة عُرف لاحقاً بالمحاصصة ، شكّل نقيضاً لكل ما بُشر به من إصلاح وتغيير ، فبدلاً من أن تكون التعددية مدخلاً للتكامل الوطني تحولت إلى وسيلة لتقاسم النفوذ وبدلاً من أن تُدار السلطة بمنطق الكفاءة والمهنية والنزاهة أُخضعت لمعادلات التمثيل الطائفي والحزبي ، فأنحرفت التجربة عن مسارها ووقعت الدولة في قبضة منظومة لا تنتج سوى العجز والانقسام والفشل .

لقد قُدمت المحاصصة في بداياتها باعتبارها آلية “تمثيل عادل” لمكونات المجتمع العراقي في محاولة لطمأنة الجميع بعد عقود من الإقصاء غير أنها تحولت سريعاً إلى أداة لإعادة إنتاج الانقسام وتعميقه ، فأفرغت الديمقراطية من محتواها ، ودفعت بالدولة نحو التفكك ، حيث أصبح الولاء للمكون والحزب والطائفة بديلاً عن الولاء للوطن .
ولم يكن هذا النموذج وليد الصدفة ، بل صُنع بعناية ، بدءاً من تشكيل مجلس الحكم الانتقالي بإشراف الحاكم المدني “بول بريمر”، الذي وضع اللبنات الأولى لدولة تُدار بالحصص لا بالمؤسسات، وتُوزع سلطاتها على أساس الهويات لا الكفاءات ، ومع مرور الوقت ، ترسّخ هذا النهج ليصبح عرفاً سياسياً وثقافة حاكمة ، دفعت الدولة ثمنها من أستقرارها ومكانتها وهيبتها .

تحت هذا النموذج ، لم يعد المنصب العام وسيلة لخدمة الناس ، بل غنيمة توزع وفق توازنات ما وراء الكواليس لا على أساس مصلحة الوطن ، وتحولت مؤسسات الدولة إلى مناطق نفوذ تتقاسمها الأحزاب ، وصار الوزراء والمدراء العامون وصولاً للموظف البسيط يُعيّنون بصفقات حزبية لا بمعايير مهنية ، ما أدى إلى تعطيل الجهاز الإداري ، وفتح أبواب الفساد ، وإغراق مؤسسات الدولة بكم هائل من المحسوبين على الأحزاب دون مؤهلات أو خبرة .

لگن الأخطر من ذلك أن المحاصصة تحوّلت من طائفية إلى حزبية ، ومن تمثيل مكوّنات إلى تقاسم نفوذ بين “كارتلات” سياسية متضخمة ، كثيرٌ منها يفتقر إلى أي مشروع وطني أو رؤية اقتصادية أو إصلاحية ، فالنظام الحزبي في العراق لم يعد تعبيراً عن التعدد السياسي ، بل أشبه بسوق مغلق تتحكم فيه أحزاب السلطة وتمنع أي منافسة حقيقية وفي ظل هذه البنية ، أصبحت الانتخابات مجرد لعبة محسومة النتائج ، يُعاد فيها تدوير الطبقة ذاتها ، وتُجهض كل محاولة للتغيير الحقيقي ، ولنا في الواقع شواهد صارخة : وزارات خدمية تدار بالمناكفات ، صفقات تُعقد بعيداً عن الجهات الرقابية ، مسؤولون يُعاد تعيينهم رغم فشلهم الذريع ، وقوى سياسية تتبادل الاتهامات في العلن وتتقاسم الغنائم في الخفاء ، أما المواطن ، فهو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة ، حيث يدفع يومياً ثمن هذا الخراب على شكل أنقطاع كهرباء ، وغياب خدمات ، بطالة ، تفشي الفقر ، وأنهيار المنظومة التعليمية والصحية .

إن من يتحدث اليوم عن إصلاح حقيقي دون تفكيك منظومة المحاصصة ، إنما يبيع وهماً مكرّراً ، فالتعايش بين منطق الدولة ومنطق الحصص مستحيل ، كما أن لا مستقبل لأي مشروع وطني لا يبدأ بتقويض هذه البنية التي تُنتج الفشل وتعيد تدويره تحت مسميات جديدة ، وما يعمق الكارثة أن معظم الأطراف السياسية تدرك تماماً أن المحاصصة عقبة كبرى ، لكنها تتمسك بها لأنها الضمان الوحيد لبقائها في السلطة حتى وإن كان ذلك على حساب بقاء الدولة ذاتها .

لقد أنتج هذا النظام طبقة سياسية عاجزة عن الخروج من منطق الغنيمة ، طبقة لا تمتلك لا الجرأة على الاعتراف بالفشل ولا الشجاعة على التراجع لأنها ببساطة ليست أبنة مشروع وطني بل نتاج معادلات تسوية ومصالح ما فوق الدولة .

العراق اليوم يدفع ثمن هذه البنية المعطوبة : تفكك في مؤسساته ، تصاعد في الاحتقان الاجتماعي ، هجرة واسعة للعقول ، عزوف عن المشاركة السياسية ، وأنعدام للثقة بين المواطن والدولة ، بل إن كُل المؤشرات تشير إلى أن الاستمرار في هذا المسار يعني مزيداً من الانحدار ليس فقط في مستوى الخدمات والأمن والتعليم والصحة ، بل في هوية الدولة ذاتها .

من هنا لا مفر من طرح السؤال الجوهري : هو كيف يمكن بناء دولة في ظل نظام سياسي يقوم على نفي معنى الدولة .؟

وهل يمكن الحديث عن وطن موحّد ما دامت مفاتيح السلطة موزعة على أساس الطائفة والقومية والحزبية .؟

الجواب المؤلم أن الدولة لا تُبنى في ظل هذا النموذج ، بل تُهدم تدريجياً وهو ما نشهده اليوم .؟

إن الخروج من هذا المأزق يتطلب ثورة في الوعي قبل أن يكون ثورة في السياسات ، يتطلب كسر القيد الطائفي ، ورفض سرديات الخوف التي تقتات عليها الأحزاب، والانتقال من الهويات الضيقة إلى هوية وطنية جامعة ، تقوم على المواطنة والمساواة والعدالة كما يستلزم إصلاحاً جذرياً في النظام الانتخابي ، وتحجيم نفوذ الأحزاب التي أثبتت عجزها ، ووضع معايير صارمة للكفاءة والنزاهة في شغل المناصب .

العراق يقف اليوم عند مفترق طرق ، إما أن يُكسر طوق المحاصصة وتُستعاد فكرة الدولة ، أو نبقى أسرى لسلطة مشلولة تُدار بمنطق الصفقات ، ومجتمع يتآكل من الداخل ، ونظام سياسي بلا أفق ، والأمل الوحيد يتجسد في وعيٍ جديد ينمو في أوساط الشباب ، يرفض كل المنظومات القديمة ، ويطرح أسئلة الدولة والهوية والمستقبل خارج أُطر الأحزاب والمكونات .

هذا الجيل لن ينتظر كثيراً ، وهو يدرك أن العراق أكبر من مقاساتكم الضيقة ، وأن الإصلاح لم يعد ترفاً سياسياً بل ضرورة وطنية لا تقبل التأجيل …!