الجمعة - 12 يونيو 2026

صراع بين الملوك ورجال الدين..!

منذ 11 شهر
الجمعة - 12 يونيو 2026

قاسم آل ماضي ||

 

 

يعتقد البعض أن علة الصراع بين ملوك العراق ورجال الدين الشيعة، يكمن في (نظرية الإزاحة). بكلمة أوضح، كان ملوك العراق من رجالات الدولة، الذين يريدون بناء (دولة مدنية حديثة) تقوم على أساس الفصل بين الدين والسياسة، بينما كان رجال الدين الشيعة يريدون (دولة ثيوقراطية ) يشرف عليها رجال الدين.

و يبدو ان (نظرية الإزاحة) غير كافية لتفسير حالة الصراع بين ملوك العراق الحديث ورجال الدين الشيعة. وذلك لأنه حين نشأت المملكة العراقية الحديثة عام 1921، فإن الزعامات الدينية الشيعية لم تدخل في نزاع مع المؤسسة الحاكمة من أجل فرض نموذجهم السياسي المعروف بمصطلح (ولاية الفقيه). وذلك لأسباب عديدة، لعل أهمها

ما يأتي:
أ – أن رجال الدين الشيعة، من الناحية الواقعية، كانوا قد تبنوا (الحكم الملكي) منذ حركة الجهاد عام 1914 ولغاية قيام الملكية في العراق عام 1921، تماشياً مع رغبات الشعب العراقي والسياق التاريخي العراقي الذي لم يعرف غير النظام الملكي نظاماً للحكم منذ سبعة آلاف سنة. وإن الخلافات التي حدثت بين الطرفين لم تكن تستهدف نظام الحكم من حيث المبدأ، إنما كانت تستهدف الإجراءات الحكومية من حيث التفاصيل.

ب – أن أطروحة (ولاية الفقيه)، من الناحية الفقهية، لم تكن مطروحة على أرض الواقع، إنما كانت مطروحة كتصور مثالي غير واضح المعالم من حيث التطبيق.

ج – في تلك الحقبة الزمنية، لم يكن الشيعة يؤلفون كياناً وثيق التماسك رغم أنهم كانوا يمتازون بعددٍ من الخصائص المشتركة. والولاء كان للعشيرة أكثر من المذهب.

لذلك لم تتحول النجف الى دولة – مدينة شيعية حتى في حالات تحررها من الهيمنة الاستعمارية. والواقع أن كل حي من أحياء النجف الأربعة كان مستقلاً. وهذا ما يدل عليه (دستور حي البراق)، الذي ركز على أن التنظيم الاجتماعي في الحي يرتكز على العشيرة، وأن قيم هذا التنظيم قبلية في الجوهر. كما تركزت السلطة في يد رئيس الحي، ولم يسند دستور المحلة أي دور للمرجعية الدينية، بل أنه لم يأت على ذكر هذه المؤسسة الدينية، التي تؤلف قوام أي كيان شيعي.

ومن الضروري، ألا يفهم من ذلك أن كبار الفقهاء الشيعة، كانوا بلا نفوذ سياسي على أتباعهم. فالواقع يشير الى أن عدداً منهم لعب دوراً قيادياً في تحريك ثورة العشرين التحررية، وفي التأثير على السياسات العامة في العهد الملكي أو التصادم معه. ولكن من الضروري أن ندرك أن (نظرية الإزاحة) لم تكن واردة لدى رجال الدين الشيعة حتى ذلك الحين .