الأربعاء - 17 يونيو 2026

ماذا لو وقع العراق إتفاقية إدارة لميناء الفاو مع شركة أبو ظبي الإماراتية وما تداعيات ذلك على محور المقاومة؟!

منذ 11 شهر
الأربعاء - 17 يونيو 2026

بهاء الخزعلي ||

 

 

مقدمة:
يمثل توسع “مجموعة موانئ أبوظبي” (AD Ports Group) هدف من أهداف حرب الأقتصاد الأزرق، علماً أن شركة موانئ أبو ظبي لديها شراكة وتعاون استراتيجي مع شركة “زيم” التابعة للكيان الصهيوني…

فتوقيع عقد إدارة ميناء الفاو العراقي، يعتبر نقلة جيوسياسية واقتصادية عميقة. بالنسبة لمجموعة التطبيع فهذا التحرك لا يقتصر على الجانب التجاري، بل يحمل أبعادًا استراتيجية تؤثر على موازين القوى الإقليمية، خاصة فيما يتعلق بـ “محور المقاومة” بقيادة إيران. هذا التحليل يستعرض التداعيات المحتملة.

أولاً: المحاور الاستراتيجية لنشاط مجموعة موانئ أبوظبي:

1. التوسع كأداة للنفوذ الإماراتي:
– تمثل استثمارات المجموعة امتدادًا لاستراتيجية الإمارات لتعزيز دورها كلاعب جيوسياسي واقتصادي إقليمي وعالمي، بديلاً للنموذج القائم على النفط.
– السيطرة على البنى التحتية الحيوية (موانئ، لوجستيات) تمنح أبوظبي نفوذًا غير مباشر على اقتصادات الدول المستهدفة (مصر، الأردن، العراق، باكستان، إلخ).

2. الشراكة مع الكيان الصهيوني (زيم): تعميق التطبيع اقتصادياً
– المشروع المشترك في ميناء حيفا عام 2023: ليس مجرد صفقة تجارية، بل:
تعزيز الوجود الصهيوني من خلال بوابة الإمارات: و تحويل حيفا إلى مركز لوجستي رئيسي شرق المتوسط، وذلك يدعم طموحات الكيان الصهيوني الاقتصادية ويوطد نفوذه الإقليمي.

-تكامل اقتصادي إماراتي-صهيوني: إنشاء شبكة لوجستية مشتركة تربط الخليج بالبحر المتوسط عبر الكيان الصهيوني (طريق بديل لقناة السويس).

-التطبيع العملي: تحويل اتفاقيات إبراهيم من مستوى دبلوماسي إلى واقع اقتصادي متشابك يصعب فكه.

3.إدارة ميناء الفاو العراقي: نقطة تحول استراتيجية

– الأهمية الجيوسياسية للفاو:

*المنفذ البحري الوحيد للعراق على الخليج العربي، و العراقيين عاقدين الأمل عليه لكي يكون شريان الحياة الاقتصادي للبلاد والذي يعطي إنفراجه إقتصادية كبيرة للوطن والمواطن، فماذا لو تكون إدارته من قبل الشركة الأماراتية الشريكة الإستراتيجية للكيان الصهيوني.

*موقع استراتيجي قريب من إيران مما يؤثر على موانئها وممكن أن يكون نقطة رصد متقدمة على نشاطاتها البحرية، وكذلك يطل على ممرات ملاحية حيوية.

– تداعيات العقد والذي قد يكون لمدة طويلة:

*نفوذ إماراتي طويل الأمد: سيطرة أبوظبي على “الاقتصاد العراقي ” تمنحها تأثيرًا هائلاً على استقرار البلاد وتجارتها وأمنها الغذائي.

*تجاوز النفوذ الإيراني: تقليص اعتماد العراق على الموانئ الإيرانية (مثل بندر عباس) للوصول إلى الأسواق العالمية، مما يؤثر بالتعاون العراقي الإيراني.

*عزل إيران جغرافيًا: تعزيز النقل البري بين الخليج (عبر الإمارات/السعودية) والعراق ثم الأردن/سوريا/تركيا، مع تقليل الاعتماد على الممرات الإيرانية، وهذا يتطابق مع التحرك الحاصل بإتجاه إرمينيا من قبل تركيا أذربيجان الكيان الصهيوني والجولاني لإخضاعها لإتفاق مع هؤلاء الأربعة، مما يؤكد وجود نية لعزل إيران ومحاصرتها من كل الجهات وتغيير الممرات الإقتصادية للتقليل من أهمية الموقع الإستراتيجي للجمهورية الإسلامية الإيرانية وكذلك التقليل من أهمية مضيق هرمز.

ثانياً: التأثير على “محور المقاومة” وإيران: ضغوط متعددة المحاور:

1. اختراق الحصار الجغرافي:
– كان “محور المقاومة” يعتمد على شبكة برية وبحرية معقدة (سوريا-لبنان-العراق-إيران) لنقل السلاح والدعم.

– وجود قوى معادية للمحور (الإمارات، الكيان الصهيوني) عند نقطة حيوية (الفاو) يعيق حركة هذا المحور خصوصاً بدعم المقاومة العراقية:

*الفاو: قد تعيق أبوظبي (بتنسيق محتمل مع أطراف أخرى) استخدام الميناء لأغراض تتجاوز التجارة المدنية، أو أحتمال تحويلها نقاط مراقبة متعددة.

2. تقويض التبادل الاقتصادي الإيراني مع العراق:

أ- إيران تعتمد على العراق كسوق حيوي ومنفذ لتجاوز العقوبات:

– سيطرة أبوظبي على الفاو تعني:

*تحجيم التجارة الإيرانية-العراقية الرسمية و غير الرسمية.

*منافسة البضائع الإيرانية: تدفق البضائع عبر الفاو بكفاءة أعلى وتكلفة أقل قد يقلص حصة السوق الإيرانية.

*إضعاف العلاقة الإيرانية العراقية: فقدان إيران لقدرتها على العمل على أهداف مشتركة مع العراق، خصوصاً إذا سيطرة الشركة الإماراتية على ميناء الفاو مما يجعل ورقة ضغط على الحكومة العراقية.

3. التطبيع كتهديد وجودي للمحور:
– الشراكةالإماراتية-الصهيونية لو أستغلت الشركة الصهيونية التواجد الإماراتي في الفاو:

*قد تعمل على الترويج للتطبيع بداخل العراق بشكل علني مما يزيد من أعداء إيران وفصائل المقاومة ويقويهم.

*خلق مصالح اقتصادية مشتركة بين العرب والكيان الصهيوني، ويتم ذلك من خلال توسعت ميناء مبارك على حساب ميناء الفاو وذلك قد يقوض رواية “المقاومة” القائمة على الصراع مع الكيان الصهيوني، خصوصاً بعد تخاذل الحكام العرب مع الكيان الصهيوني في القضية الفلسطينية وجرائم الإبادة في غزة.

– دور أبوظبي: تصبح الإمارات حليفًا اقتصاديًا وعمليًا للكيان الصهيوني في قلب المنطقة، مما يزيد التهديد الاستخباري والعسكري غير المباشر للمحور.

4. ضغوط اقتصادية على إيران:

– نجاح شبكة لوجستية بديلة (الخليج-الفاو-تركيا/الأردن) يقلل أهمية الممرات التقليدية عبر إيران، مما يحرمها عوائد العبور ويعمق عزلتها تحت العقوبات.

– تعزيز قدرات العراق الاقتصادية عبر الفاو مع أغرائه بمشاريع أقتصادية مشتركة ظاهرها عربي وباطنها صهيوني قد يقلل ذلك الشراكة العراقية مع إيران سواء في مجالات الطاقة أو السلع، مما يضعف الوجود الإيراني ويؤثر على تعاملاتها مع العراق.

ثالثاً: التحديات وردود الفعل المحتملة:

1. التحديات أمام أبوظبي والكيان الصهيوني:

*المخاطر الأمنية في العراق: قد يتعرض مشروع الفاو لهجمات من فصائل المقاومة بأعتباره أصبح هدف أجنبي غير خاضع لسيادة العراق كدولة.

*الاستقرار السياسي في العراق: التقلبات الحكومية والضغوط الشعبية قد تعرقل العقد أو تلغيه بالكامل.

*الغضب الشعبي: النفور العربي من التطبيع مع الكيان الصهيوني قد يولد مقاطعة أو احتجاجات ضد الشركات المرتبطة به مثل شركة موانئ أبو ظبي.

*المنافسة الإقليمية: مشاريع موانئ أخرى (موانئ الدوحة، موانئ السعودية، الموانئ التركية) قد تحد من النفوذ.

2. ردود فعل محور المقاومة وإيران:

*زيادة النشاط العسكري غير المباشر: هجمات صاروخية أو بطائرات مسيرة تستهدف أصول مرتبطة بالمشاريع (في العراق، سوريا، أو حتى الإمارات/الكيان الصهيوني).

*حرب إعلامية لكشف المستور : توضيح العقد كـ”بيع السيادة” و”التواطؤ مع العدو”.

*تعزيز البدائل: محاولة إيران تطوير موانئها (تشابهار، بوشهر) أو تعزيز التعاون مع روسيا والصين لتجاوز العقبات.

*الضغط السياسي في العراق: حث الكتل السياسية المقاومة على معارضة العقد و إلغائه.

*استهداف خطوط الشحن: زيادة خطر تعرض سفن مرتبطة بـشركة “زيم” الصهيوني أو موانئ أبوظبي لهجمات في المياه الإقليمية لليمن أو الخليج.

* الخاتمة: تغيير جيوسياسي عميق ومخاطر متصاعدة
تُمثل تحركات مجموعة موانئ أبوظبي (و تعاونها مع الكيان الصهيوني لو وقعت عقد مع العراق لإدارة الفاو) ضربة استراتيجية متعددة الأوجه لمحور المقاومة وإيران:

1.اختراق جغرافي: وضع قوى معادية عند نقاط حيوية (الفاو، حيفا).

2.تقويض اقتصادي: تقليص التعاون العراقي مع إيران وإعاقة تجاوز العقوبات الأميركية.

3.تطبيع عميق: جعل التعاون الإماراتي-الصهيوني واقعًا ملموسًا يصعب التراجع عنه.

4.عزل متزايد: دفع إيران نحو مزيد من العزلة الاقتصادية والجيوسياسية.

***لكن هذا النجاح لا يخلو من مخاطر جسيمة:

*مشروع الفاو يقع في قلب منطقة ساخنة، وقد يصبح هدفًا دائمًا للهجمات والإستهدافات العسكرية.

*التوسع السريع قد يولد ردود فعل شعبية وسياسية معادية في الدول المضيفة (خاصة العراق).

*التنسيق الصهيوني-الإماراتي المكثف قد يدفع إيران وفصائل المقاومة لتصعيد عسكري غير متوقع.

*الخلاصة:
استراتيجية أبوظبي والكيان الصهيوني تهدف إلى إعادة رسم الخريطة الاقتصادية والأمنية للمنطقة، مع إضعاف إيران وحلفائها بشكل منهجي. نجاحها سيعتمد على قدرتها على إدارة المخاطر الأمنية والسياسية المترتبة، وعلى مدى فعالية رد فعل محور المقاومة في تعطيل هذه المشاريع الحيوية أو تقويض جدواها. المعركة القادمة قد لا تكون على الجبهات التقليدية فقط، بل على طرق التجارة والتحكم في البنى التحتية الاستراتيجية.