الثبات الحسيني: الفلسفة الوجودية في سر البقاء..!
أحمد نعيم الطائي ||

حين يتأمل المرء ما آلت إليه قبور شهداء الطف، وعلى رأسها قبر الإمام الحسين عليه السلام، من محاولات طمس وإخفاء متكررة، يدرك حجم الاستهداف التاريخي الذي تعرضت له هذه الثورة. فقد حُوّل القبر الشريف مراراً إلى مستنقع للدواب، وأُزيلت معالمه، ومُنِع زواره من الوصول إليه، بل وتعرض أتباعه للملاحقة والموت، وتم تجريم أي محاولة لاستذكار فاجعة كربلاء، منذ العهد الأموي، مرورًا بالعصور العباسية والعثمانية، وصولاً إلى الحقبة الصدامية الدموية.
ورغم هذا التاريخ الطويل من القمع والمحو المنظّم، نهضت مقامات الشهداء شامخة، تُعانق السماء بمناراتها، وتحتضن أفئدة الملايين من الزائرين المتزاحمين على أبوابها ، الذين لم تُوقفهم التهديدات، ولا محاولات الإبادة، بل ظلوا يتحدّون الزمن، ويحيون الشعائر بكل ما تُمثله من رمز للمظلومية والثبات والإيمان بقضية الحق.
لقد شكّلت القضية الحسينية في بعدها الوجودي مدرسة فريدة في الثبات، إذ لم تكن ثورةً عابرة أو لحظةً احتجاجية، بل مشروعًا ممتدًا في عمق الضمير الإنساني، متجددًا في رسالته، وعصيًا على الإخماد ، هذا الثبات العجيب في وجه محاولات الاجتثاث، هو ما جعل المستشرقين والباحثين في الفكر الديني والسياسي يقفون طويلاً أمام “سر البقاء الحسيني”، وكيف تحوّلت هذه الثورة الروحية إلى ما يشبه ثورة مسلّحة على مدى التاريخ، ولكن بأسلحة مختلفة: الشعائر، والولاء، والوعي الجمعي.
إنّ فلسفة الثبات التي جسّدها الإمام الحسين لم تكن مجرد عناد، بل كانت موقفًا وجوديًا في مواجهة الزيف، وجذورًا أخلاقية وفكرية أعمق من كل سلاح ، فكل محاولة لقمع هذا الصوت، كانت تنقلب شعلة جديدة تُلهب القلوب وتحيي الذاكرة الجمعية، حتى باتت الشعائر الحسينية اليوم ومنها “شعيرة الاربعينية” واحدة من أعظم الظواهر التي تُرعب الطغاة، وتُربك أنظمة الاستبداد، وتُعطي لكل الأحرار في العالم أملاً بثورة ربانية لا تموت




