الثلاثاء - 18 اغسطس 2026

قطر وتركيا والإمارات شركاء الطوق الصهيوني جنوب سوريا..!

منذ سنة واحدة
الثلاثاء - 18 اغسطس 2026

عباس خالد ||

 

 

 

لم يكن التصعيد الأخير في محافظة السويداء السورية مجرد اضطراب أمني محلي، بل مثّل حلقة مفصلية في سياق إعادة تشكيل خارطة النفوذ في الجنوب السوري، حيث يتلاقى المشروع الصهيوني مع التمويل الخليجي والتسهيلات التركية والقطرية في مشهد يعكس خطة متكاملة لإقصاء محور المقاومة، وتحديدًا إيران وحزب الله، من هذا العمق الاستراتيجي.

تبدو الأحداث وكأنها كُتبت في كواليس غرف العمليات الإسرائيلية وأُسنِدت أدوارها الإخراجية إلى الإمارات وقطر وتركيا، في مسرحية معقّدة الأبعاد، هدفها الأساسي إقامة (طوق صهيوني) يمتد من درعا إلى السويداء وصولًا إلى أطراف البادية يمنع المقاومة من الاقتراب من الجولان، ويعيد رسم الجنوب السوري بما يتوافق مع مشروع “ممر داود” الذي يسعى الصهاينة لفرضه عبر وكلاء محليين وإقليميين.

مع انطلاق شرارة الاشتباكات المسلحة في حي المقوس شرق السويداء، بدا واضحًا أن الصراع يتجاوز الطابع المحلي ليتحول إلى ساحة اختبار إقليمي دولي. دخول قوات “هيئة تحرير الشام” بقيادة الجولاني لم يكن هدفه نزع الفتنة بل إدارتها، في حين مثّل التدخل للكيان الصهيوني عبر الغارات الجوية والتموضع البري (بفرق النخبة 98، 36، 210) خطوة نحو تثبيت الوجود العسكري الصهيوني داخل العمق السوري، بحجة حماية الدروز! في حين أن الغاية الحقيقية هي منع التموضع الإيراني والمقاومة وخلق حزام أمني موالٍ للصهاينة.

وبحسب معلومات استخبارية متداولة، فإن تنسيقًا سريًا تمّ بين الكيان الصهيوني وكل من الإمارات وقطر وتركيا، لإطلاق مشروع إعادة هيكلة الجنوب السوري. تتولى هذه الدول تمويل وتسهيل تحركات جماعات مسلحة بدوية أو عشائرية، تعمل تحت لافتات متعددة لكنها تصب في خانة واحدة إعادة تشكيل البيئة الجنوبية بما يتماهى مع المصالح الصهيواميركية، وتمهيد الأرضية لأي تسوية سياسية تهمّش دور دمشق وحلفائها.

المفارقة أن هذه الدول نفسها قطر وتركيا والإمارات تواصل إصدار بيانات تدعو إلى الحفاظ على وحدة سوريا، في الوقت الذي تضخ فيه المال والدعم اللوجستي لعناصر خارجة عن الدولة، وتُنسّق مع الاستخبارات الصهيونية لضمان استبعاد حزب الله والتواجد الإيراني من أي معادلة أمنية جنوبية. وهذا ما يجعل من هذه الأنظمة الخليجية شركاء مباشرين في مشروع الطوق الصهيوني الذي يُراد فرضه بالقوة على الحدود مع فلسطين المحتلة.

أما على الأرض، فقد شهد الجنوب تواطؤًا واضحًا مع المشروع، حيث انسحب بما يسمى الجيش السوري جماعة الجولاني تكتيكيًا من بعض القرى، لتدخل عناصر مسلحة بدوية يُرجّح ارتباطها بشبكات إقليمية مرتبطة بالإمارات وقطر. بالتزامن، بدأ الكيان الصهيوني بتنفيذ عمليات قصف جوية، ثم تمدد بريّ تدريجي، بما يؤكد أن المشروع لا يقتصر على الضربات الجوية المحدودة بل يتجه نحو مرحلة انتشار ميداني دائم عبر وكلاء محليين.

والأخطر من ذلك، أن هذا المشروع يجري تمريره بصمت دولي كامل، في ظل موجات نزوح درزية واسعة، وانتهاكات ميدانية، وعمليات تصفية طائفية تُرتكب أمام كاميرات الصمت العالمي، كل ذلك بهدف فرض أمر واقع جديد قبل أن تتمكن المقاومة أو إيران من إعادة التمركز في الجنوب.

ما بعد السويداء ليس كما قبلها. نحن أمام مرحلة متقدمة من الحرب على محور المقاومة، تتّخذ فيها الحرب طابعًا هجينًا خليجي بالتمويل، تركي بالتسهيل، صهيوني بالإشراف، ومحلي بالتنفيذ. المشروع الصهيوني بات يُدار بأدوات خليجية، وبمواقف مزدوجة تدّعي دعم الاستقرار، بينما تُسلّم مفاتيح الجنوب السوري لكيان غاصب.

لكن رغم هذه المؤامرة لا تزال المقاومة تفرض توازن ردع حقيقي، وتُعيد تموضعها بما يتناسب مع المتغيرات. أما إيران، فبضرباتها السياسية والعسكرية الأخيرة، لقّنت الكيان الصهيوني درسًا لن تنساه، وهو ما يفسر ارتباك الكيان، ومحاولاته المحمومة لتعويض الهزيمة بتوسيع رقعة نفوذه.

إن هذه المرحلة تستوجب من محور المقاومة إعادة قراءة المشهد، وتحديد معالم الاشتباك القادمة، فالمعركة لم تعد في غزة وحدها، بل باتت على بوابة الجولان وبأدوات خليجية لا تقلّ خطرًا عن العدو نفسه.