الجولاني الجسر إلى صفقة إبراهيمية كبرى مع الصهاينة..!
عباس خالد ||

وسط الضجيج الإعلامي عن التسويات والسلام، وفي غمرة الحديث عن الاستقرار والانتقال السياسي في سوريا، يُصاغ أخطر مشروع تطبيعي يهدد المنطقة من الداخل، ليس عبر الدبابات أو الصواريخ، بل عبر أدواتٍ مصنّعة بعناية، ومرتبطة عضوياً بالمحور الأميركي – الصهيوني – الخليجي. في قلب هذا المشروع، يظهر أحمد الشرع، المعروف بالجولاني، الذي انتقل من قيادة جماعة صنفت إرهابية إلى رأس حربة في تنفيذ اتفاق إبراهيمي جديد، تتجاوز أهدافه التطبيع إلى أبعد من ذلك تفكيك بنية المقاومة، وتدمير هوية الصراع من تحرير الأراضي بالمقاومة إلى هبتها مقابل السلام الكاذب وترسيخ سلطته !
ما يُحضَّر في الجنوب السوري لم يعد سرًا. الجولان لم يُعرض للتفاوض، بل للتنازل. وما يُوصف بأنه “صفقة استقرار” ليس سوى إعادة هندسة للمنطقة على أسس إسرائيلية، تبدأ من تسليم الأرض، ولا تنتهي عند شطب المقاومة. إن رفع “هيئة تحرير الشام” من لائحة الإرهاب، ورفع العقوبات عن الشرع ومن معه، جاء في توقيت متزامن مع اللقاءات الأمنية في أبوظبي، والتفاهمات في أذربيجان، والتنسيقات الفرنسية الخليجية مع الكيان الصهيوني. كل الأطراف تحركت والكيان ضمن خطوط أمنية عازلة في القنيطرة والسويداء ودرعا، وواشنطن رفعت الغطاء عن “الإرهاب” المزعوم لأنه صار “مفيدًا”، والإمارات رتبت المفاوضات، وموّلت اللقاءات، وقدمت الشرع للعالم بصفته “رجل المرحلة”.
الجولاني لم يعد مجرد قائد فصيل، بل صار بوابة عبور المشروع الصهيوني إلى قلب سوريا، بأدوات داخلية هذه المرة. لقد أبدى استعداده لتصفية الوجود المقاوم والسماح للطيران الإسرائيلي باستخدام الأجواء السورية لتنفيذ عمليات ضد إيران والعراق، كما تعهد بملاحقة كل من يتبنى خط المقاومة داخل الجنوب السوري .وكل ذلك مقابل اعتراف دولي بشرعيته وصفقة تدعي أنها تحفظ الأمن بينما تفرّغ الأرض من أهلها وتحوّل الجولان إلى ما وصفوه صراحة بـ”حديقة سلام”.
إن ما يحدث ليس خطأ في التقدير، بل خطة متكاملة تُنفذ على مراحل بتوقيع أميركي ورعاية خليجية ومباركة صهيونية تبدأ من إعادة إنتاج أدوات محلية مأجورة وتُسوّق على أنها “حلول انتقالية”، بينما هي في جوهرها انقلاب على المقاومة وسرقة لتضحيات الشعوب. الجولاني ليس سوى واجهة لكن خلفه يقف طيف واسع من اللاعبين واشنطن تريد بيئة بلا مقاومة إسرائيل تسعى إلى حدود هادئة تخلو من التهديدات العقائدية والإمارات تطمح إلى دور إقليمي يقايض التطبيع بالبقاء.
ما يجري في الجنوب ليس مجرد تطبيع، بل تصفية لمرحلة كاملة، وإعادة تشكيل لبنية الدولة والجيش والعقيدة. الجنوب السوري يُفرّغ بالقوة الناعمة من عناصره الثابتة وتُمارس عليه سياسات خنق وتجويع وهدم ممنهج لدفع الناس إلى الرحيل أو القبول بحكم عميل. هذا المشروع لا يقل خطورة عن الاحتلال المباشر لأنه يرتدي عباءة “السلام”، ويزعم أنه يحمي الاستقرار بينما يُسلّم الأرض والقرار والسيادة.
التسريبات المتكررة عن لقاءات الشرع مع نتنياهو ووزير الأمن القومي الإسرائيلي ليست شائعات بل ترتيبات نهائية لفرض صفقة الأمر الواقع. وتزامن تلك اللقاءات مع إزالة العقوبات، وزيارة الحاخامات إلى دمشق، وإرسال الوفود اليهودية إلى كنيس جوبر، هي إشارات رمزية تُراد منها إعادة بناء الوعي العام السوري على أساس القبول بالتعايش مع الاحتلال، وقبول “إسرائيل” كجار طبيعي، لا كعدو.
الجولاني لا يفاوض باسم الشعب السوري، بل باسم بقائه. لا يتحرك تحت سقف الوطنية، بل تحت مظلة السفارات. هو مشروع إعادة تدوير الفوضى باتجاه الصهيونية، بعدما فشلوا في تركيع محور المقاومة عسكريًا. لهذا فإن المعركة اليوم لم تعد فقط على الأرض، بل على الرواية، وعلى شرعية المقاومة، وعلى وعي الشعوب.
إن صمت العواصم، وترويج الأبواق الإعلامية لفكرة الاستقرار، والتهليل لرفع العقوبات، هو جزء من عملية غسل الخيانة وتقديمها كإنجاز.
لكن الذاكرة المقاومة تعرف جيدًا أن من يفرّط بالجولان اليوم، سيفرّط بغزة غدًا، ومن ينسق مع تل أبيب ضد طهران اليوم، سيُشرعن وجود العدو في كل العواصم لاحقًا. هذه ليست مبالغة، بل قراءة دقيقة لمراحل المشروع الصهيوني الجديد الذي لا يُنفذ بالدبابات، بل ببدلات رسمية، وتحت رايات الأمم المتحدة.
ما بين “رأس الجولان” الذي يُساوَم عليه، و”رأس الجولاني” الذي يُقدَّم كبديل عن المقاومة، تدور واحدة من أخطر المعارك في تاريخ سوريا الحديث. معركة بلا جيوش، ولكن بنتائج وجودية. وإن لم تتشكل جبهة مقاومة ثقافية وإعلامية وسياسية تفضح هذه اللعبة، فإن الجغرافيا ستُسلَّم، والتاريخ سيُزوّر، والمقاومة ستُحاصر من داخلها، لا من حدودها.




