انفجارٌ مُؤجَّل: تصدُّعاتُ العائلةِ البَرزانيَّة وأزْمةُ الحُكم في إقليمِ كردِستان..!
آزاد محسن ||

رغمَ الهدوءِ الظاهريِّ الذي يُخيِّمُ على المشهدِ السياسيِّ في إقليمِ كردستانَ، فإنَّ تحتَ هذا السَّطحِ المتماسِكِ تَتراكمُ تصدُّعاتٌ حقيقيَّةٌ تُنذرُ بانفجارٍ داخليٍّ قد يَعصِف بما تبقَّى من تماسكِ العائلةِ الحاكمة، ويُحدِث تغييراتٍ عميقةً في بُنيةِ السُّلطةِ الكُرديَّةِ.
الحدثُ الأخير في أربيل، وما تَبِعَهُ من تَدخُّلٍ مباشِر من قِبَلِ نيجيرفانَ بارزاني لاحتواءِ تداعياتِ الأزمةِ التي تسبَّبَ بها رئيسُ الحكومةِ مسرور بارزاني، شكَّلَ منعطفاً سياسياً يَحمِلُ أكثرَ من دلالةٍ.
في وقتٍ بدا فيهِ مسرورُ بارزاني متورِّطاً في إدارةِ الأزمةِ بأساليب قمعيَّةٍ بوليسيَّةٍ تُعيدُ إلى الأذهانِ ممارساتِ أجهزةِ الاستخباراتِ في الأنظمةِ الاستبداديَّةِ، برَزَ نيجيرفان بارزاني كلاعبٍ أكثرَ توازناً، وأكثرَ وعياً بتعقيداتِ اللّحظةِ السياسيَّةِ.
تَدخُّلُهُ لم يَكُنْ فقط لمحاولةِ احتواءِ الأزمةِ، بل كان بمثابةِ صفعةٍ سياسيَّةٍ محسوبةٍ، أرادَ من خلالها أن يُرسلَ رسائلَ داخليَّةً وخارجيَّةً بأنَّ القيادةَ الكُرديَّةَ تحتاجُ اليومَ إلى عقلانيَّةٍ ناضجةٍ، لا إلى مغامراتٍ أمنيَّةٍ تُوسِّعُ من رُقعةِ الاحتقانِ الشعبيِّ.
ما تَفعَلُهُ الأجهزةُ التابعةُ بشكلٍ مباشِرٍ لمراكزِ النفوذِ في أربيل من انتهاكاتٍ مستمرَّةٍ، واغتصابٍ لأراضي العشائر، وتضييقٍ على الحريَّاتِ، وقمعٍ للأصواتِ المُعارِضةِ، وسلبٍ للحقوق، لم يَعُدْ خافياً على أحدٍ.
حتى المواطنُ الكُرديُّ الذي ظلَّ لسنواتٍ يأمَلُ بمشروعٍ وطنيٍّ حقيقيّ، بدأ يُدركُ أنَّ الحُلمَ الكُرديَّ يُختطَفُ لصالحِ أقليَّةٍ مُتنفِّذةٍ تتعاملُ مع الإقليمِ بوصفِهِ مُلكاً خاصّاً، لا شأناً عاماً.
التنافسُ الخفيُّ بين مسرور ونيجيرفان لم يَعُدْ سِرّاً، لكنهُ حتى الآنَ محكومٌ بإرثِ الوالدِ المؤسِّسِ مسعودَ بارزاني، الذي ما يزالُ يُشكِّلُ صِمامَ أمانٍ نسبيّاً لوحدةِ العائلةِ.
غيرَ أنَّ الواقعَ يقولُ إنَّ الانفجارَ الحقيقيَّ لن يحدثَ إلا بعدَ وفاةِ مسعودَ بارزاني، عندها ستتفجَّرُ الخلافاتُ القديمةُ، وتَخرجُ الصِّراعاتُ الدفينةُ إلى العَلَنِ، ليبدأَ فصلٌ جديدٌ من التنازعِ على الشرعيَّةِ والقيادةِ داخلَ البيتِ البَرزانيِّ.
الأزمةُ الحاليَّةُ ليستْ فقط أزمةَ عائلةٍ، بل هي انعكاسٌ لأزمةٍ بنيويَّةٍ في نظامِ الحُكمِ في الإقليمِ، حيث تتغوَّلُ العوائلُ السياسيَّةُ على المؤسَّساتِ، وتَختزلُ الدولةَ في زعيمٍ، وتُفرِّغُ السُّلطة من مضامينِها القانونيَّةِ والدستوريَّةِ لحسابِ توازناتٍ عشائريَّةٍ ومصالحَ اقتصاديَّةٍ ضيّقةٍ.
إنَّ على القوى السياسيَّةِ، والمجتمعِ المدنيِّ في كردستانَ، وكذلك على الحكومةِ الاتحاديَّةِ في بغداد، أن تُدرِكَ أنَّ الوضعَ في الإقليمِ يسيرُ نحو مرحلةٍ حرجةٍ، وأنَّ إعادةَ التوازنِ لن تتحقّقَ إلا من خلالِ إصلاحاتٍ سياسيَّةٍ حقيقيَّةٍ تَبدأُ بتفكيكِ سلطةِ العائلةِ، وإعادةِ السلطةِ إلى مؤسَّساتٍ مُنتخَبةٍ، وإعادةِ الاعتبارِ لحقوقِ المواطنِ الكُرديِّ، الذي لم يَعُدْ يحتملُ مزيدًا من القمعِ والفسادِ والاستغلالِ.
رُبَّما كانت خطوةُ نيجيرفانَ بارزاني تَحمِلُ بعضَ الوعيِ السياسيِّ، لكنها تَبقى منقوصةً إنْ لم تَترافَقْ مع مراجعةٍ شاملةٍ لطبيعةِ الحُكمِ، وإرادةٍ حقيقيَّةٍ للانتقالِ من سُلطةِ الفردِ والعائلةِ إلى سُلطةِ الشعبِ والمؤسَّساتِ.
ودونَ ذلك، فإنَّنا أمامَ مشهدٍ مُتفجِّرٍ مُؤجَّلٍ، ينتظرُ فقط لحظةَ غيابِ الأبِ الروحيِّ، ليَكشفَ عن كلِّ ما خَبَأَهُ الزمنُ تحتَ الطاولةِ.




