الدرس الذي قدمته لنا ايران..!
محمد شريف أبو ميسم ||

أول محاور الدرس الذي قدمته لنا ايران، وهي ترد العدوان الصهيوني عن أراضيها، أن لا مكان للضعفاء في هذا العالم، وان النظام العالمي الجديد لا يحترم الا الأقوياء، وان القوة ليست بالشعارات والعقائد وحسب، بل بالعلم والعمل الجاد، اذ اشتغلت الجارة ايران على محاور التنمية البشرية والتدريب والتطوير منذ السنوات الأولى التي فرض عليها الحصار،
وجعلت من العلم هدفا وغاية في ذات الوقت، عبر برامج تعليمية ترعى المواهب العلمية والعملية التي وظفتها في تطوير قدراتها الاقتصادية لمواجهة العزلة والحصار الذي تعرضت لهما، واستطاعت من خلال ذلك أن ترتقي بالعلم وتصنع أجيالا من العلماء في عموم القطاعات المدنية والعسكرية، وتعظم الطاقات الكامنة لمواجهة الحصار الذي فرض عليها منذ أكثر من أربعة عقود،
فكان التطور الصناعي والاكتفاء الذاتي في الانتاج المحلي سبيلا لمواجهة سياسات التجويع والحرمان، ومواجهة القرارات الدولية التي حاولت اضعاف قدراتها وطاقاتها الانتاجية، في وقت كانت تتعرض فيه الى تحديات كبيرة، تمثلت في تكرار العدوان على أراضيها مع سلسلة متعاقبة من المؤامرات في الداخل والخارج الايراني.
وفي خضم ما قدمته وسائل الاعلام بشأن قدرة الصهاينة على اسقاط نظامها السياسي وتدمير برنامجها النووي والصاروخي، قدمت لنا الجمهورية الاسلامية في ايران ما ينسف فكرة عدم التفوق واستحالة الردع، فأذهلت أعدائها والعالم أجمع بقدراتها الدفاعية والهجومية،
وتراص جبهتها الداخلية على الرغم من وجود العديد من الثغرات في تشكيلات مجتمع محاصر لأكثر من أربعين عاما، مجتمع لا يملك أن ينفتح على العلوم والمعارف التي احتكرتها دول وشركات تحكم العالم، فكان التفوق في أدوات الحرب ابتداء من صناعة الصواريخ الفرط صوتية مرورا بأدوات الرصد والاستمكان والدفاع الجوي والبحري وانتهاء بأدوات الحرب السيبرانية.
ومن المحاور الأخرى التي قدمها الدرس الايراني، هواعتماد اسلوب البديل الجاهز للخسائر في ادارة المعركة، الأمر الذي أحبط اسلوب العدو الرامي الى تحقيق انتصارات وهمية عبر الاغتيالات،
وأرسل رسائل بالغة عن رباطة الجأش وحنكة القيادة في ادارة المعركة التي أعد لها لتكون حرب استنزاف قائمة على ما يسمى بقدرات الصبر الاستراتيجي، بناء على التماسك المجتمعي والمؤسساتي الذي سرعان ما استطاع أن يمتص صدمة المباغتة التي خلفها العدوان الصهيوني المفاجيء على الأراضي الايرانية.
فيما قدمت لنا الدبلوماسة الايرانية، صور جديدة من الأداء الذكي، القائم على ضبط النفس وردات الفعل، حتى في أصعب المواقف وسط حالة من عدم الثقة مع الآخر، وتجسد هذا الأمر حين التفت وزير خارجية ايران “عباس عرقجي” الى وفده المرافق،
في احدى جلسات التفاوض طالبا شربة ماء، في وقت كان أمامة الماء المعد مسبقا على طاولة التفاوض، الأمر الذي بعث برسالة بالغة الوضوح، مفادها: ان لا ثقة لنا بكم، وعليكم أن تقدموا المزيد لاثبات حسن النية.
ومن نقاط الضعف التي قدمها الدرس الايراني، ما يتعلق بالجبهة الداخلية، اذ عادة ما توظف بيئات التنوع السياسي والعرقي في تجنيد الجواسيس والعملاء لصالح كيان بنى وجوده خلال 77 عاما على التآمر وتوظيف الخونة، ولكن وبرغم ذلك لم يثبت حد اللحظة ارتباط أي من قيادات المعارضة التي تعمل في الداخل مع أجهزة المخابرات الصهيونية،
وبقي أمر خيانة قيادات المعارضة حصرا على العناصر الخارجية، الأمر الذي ينبأ بحقيقة لها صلة بتقييمات شخوص قيادات المعارضة، ووجود مؤسسات وقوانين صارمة وأجهزة تنفيذية قوية لا تستثني أحدا في حالات الخيانة العظمى، وهذا الأمر وعلى ما يبدو ينسحب على الورقة الطائفية التي غالبا ما يوظفها الصهاينة في زعزعة الجبهات الداخلية للدول التي لا تعترف بوجود الكيان الاسرائيلي.
وعلى الرغم من توظيف التفوق الصهيوني في تقانات تكنولوجيا المعلومات وأدوات العولمة الثقافية، الا ان هذا التفوق لم ينسحب على مظاهر (تدجين العقل الجمعي عبر أدوات الاعلام الفاسد ومواقع التواصل، أو نشر الانحلال الأخلاقي، وتسفيه الإنسان عبر مخاطبة الغرائز والشهوات، أو تكريس الاستهلاك عبر تحفيز الطلب جراء عدم إشباع الحاجات الناجم عن الحصار، أو الاشتعال على الجانب المعنوي من خلال نشر الأكاذيب في أوقات السلم والحرب.
ونشر الدعايات وصناعة الأزمات) الا في نطاق ضيق، الأمر الذي يحتاج الى التأمل في هذا المحور، للبحث عن عناصر القوة التي ساهمت في خلق نسيج مجتمعي يتمتع بكل هذه الحصانة. ويحتاج الى مراجعة كلية لمجمل محاور الدرس الذي قدمته لنا الجمهورية الاسلامية الايرانية في حرب الاثنى عشر يوما مع الكيان الصهيوني ومن يقف معه.




