وداعًا .. شهيد الوفاء في زمن الغدر..!
سمير السعد ||

في زمن تشتدّ فيه رياح الغدر، وتكثر فيه سكاكين الطعن في الظهر، لا يبقى في الساحة إلا الأوفياء. ترجل الحارس الأمين، الحاج أبو علي خليل، بعد أن صدق ما عاهد عليه الله. لم يكن حارسًا عاديًا، بل كان الساتر المنيع حول سيّد المقاومة، ورفيق دربه، الحاج الشهيد نصر الله. وفي لحظة واحدة، امتدت يد الغدر الصهيونية لتغتال جسده، لكن روحه بقيت فوق رؤوس المقاومين، شاهدة على زمن قلّ فيه الرجال.
اغتالته يد الصهاينة في استهداف جبان داخل الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فارتقى شهيدًا مع نجله، بعدما أفنى عمره حارسًا وظلاً ودرعًا للسيد نصر الله، شهيد المقاومة. لم يطق فراقه طويلاً، وما كان لروحه أن تهدأ، فاختار الالتحاق به على ذات الطريق، طريق العاشقين.
كان أبو علي خليل عنوان الوفاء الخالص ، لم يُعرف كثيرًا في الإعلام، لكنه كان حاضرًا حيث يكون الخطر. رجل الظل النبيل الذي ظل لسنوات الدرع الصامت حول من حمل راية الأمة، ثم رحل كما يليق بالأوفياء… شهيدًا.
غدرهم لم يكتفِ بصاروخ، بل أمطروا جسده الطاهر بأكثر من صاروخ، وكأنهم يدركون أنهم أمام جدارٍ من وفاء لا يُخترق بسهولة. إنها ليست فقط عملية اغتيال، بل محاولة يائسة لاغتيال الذاكرة والعهد والرمز، لكنها ستفشل كما فشلت من قبلها، لأن ما تحمله المقاومة اليوم، ليس أسماءً وأجسادًا، بل مدرسة كربلاء، مدرسة الحسين عليه السلام.
قائدٌ مجاهد، أفنى عمره في خدمة السيّد…
ما توانى، ما تراجع، وما خذل العهد يومًا.
كان ظلّه في ساح الوغى، وكان صوته صدًى لصوت الولي، حارسًا للصوت، وصدى للثبات.
ثم جاء يوم الفقد العظيم…
استُشهد السيّد، وسال دمه الطاهر،
فارتجّت أرواح المؤمنين، وتكسّرت القلوب حُزنًا عليه، كأن الزمان انحنى حِدادًا على ركن من أركان العز.
ولم يلبث القائد أن لحق به،
كأن الشهادة كانت وعدًا بين الأرواح، أو أن نداء السماء استُجيب لهما معًا، في وقتٍ واحد، رغم اختلاف اللحظة.
رحلا سويًّا إلى دار الخلود، حيث لا غدر هناك ولا قلق، بل لقاء وعِزّ دائم.
قافلة النور تمضي… والدماء تكتب المجد.
وفي لحظة الوداع، وكأن الأديب علي وجيه عباس قد نطق بلسان المحبين حين قال ..
“زِيح شويْ يابو علي”، كما قال لكَ درّة العروبة وأخوك الأكبر…
زِحْ أيها المحزون، وهنيئًا مغادرة هذه الدنيا الفانية،
قبّله من جبينه، ونقبّلكَ أيضًا من جبينك،
ونغبطك على حسن الخاتمة،
أن تحمي الأشرف، ثم يقتلك الأقذر، وما بين مهدكَ وقبركَ لم تقل سوى “لا”.
وكأن الشهيد ، في لحظة الشهادة، كان يردد صدى صرخات سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) في وجه يزيد الطغيان:
“أتهددني بالموت يا ابن الطلقاء؟”
فهو من جيلٍ لا يرى في الموت تهديدًا، بل وعدًا، ولا في الشهادة فناءً، بل خلودًا. جيلٌ تعلّم من كربلاء أن الموت في سبيل الحق حياة، وأن من يسير خلف الحسين، لا تروّعه قذائف الصهاينة، ولا تزعزعه خيانات المطبعين. إنهم أبناء الموت لا أبناء الحياة الزائفة، رفقاء الشهادة لا عبيد السلام المذلّ.
ولذا، فإن استشهاد الحاج أبو علي ليس نهاية، بل محطة منيرة في طريقٍ طويل من الجهاد. لقد نال شرف الخاتمة التي تليق برجالٍ من طينة نادرة، وخطّ بدمه صفحةً جديدة من الوفاء النادر.
باغتياله ، يظن الكيان الصهيوني أنه أسكت صوت الوفاء، لكنه في الحقيقة أيقظ ضميرًا جديدًا في جسد المقاومة. لقد ظنوا أن الصواريخ تطفئ العزائم، ولم يعلموا أن مدرسة الحسين تنبت ألف “أبو علي” مع كل شهيد.
ستظل روحه تسكن ساحات العز، وتردّد في ضمائر المقاومين ..
“أتهددنا بالموت يا ابن الطلقاء؟”
بل نحن أبناء الحسين، وموعدنا الحتمي… عند سيد الشهداء.




