الثلاثاء - 16 يونيو 2026

الحرب على إيران للقضاء على آخر الجيوش النظامية المقاومة لإسرائيل في المنطقة..!

منذ 12 شهر
الثلاثاء - 16 يونيو 2026

ناجي علي أمهز ||

لم يكن الصراع العربي الإسرائيلي مجرد نزاع حدودي أو خلاف سياسي عابر. بل هو جرح مفتوح في الجسد العربي، يمتد من قلب فلسطين إلى عمق الوعي الجمعي لشعوب لم تعرف السكون منذ لحظة إعلان قيام دولة إسرائيل. صراعٌ تشكل على وقع الحروب، وتحول تدريجياً من مواجهات جيوش كلاسيكية إلى صراع غير متكافئ مع قوى غير نظامية، لتتغير معادلات الحرب، وأهدافها، وأدواتها.

المرحلة الأولى: زمن الجيوش والحروب النظامية 1948
بداية الحكاية تعود إلى عام 1948، حين أُعلنت إسرائيل دولة، واندفعت خمسة جيوش عربية (مصر، الأردن، سوريا، لبنان، العراق) إلى الميدان، مدفوعة بأمل إسقاط الكيان الوليد. لكن الحرب، التي عُرفت عربياً بـ”النكبة”، انتهت بترسيخ الوجود الإسرائيلي على أرضٍ تفوق بكثير ما منحها قرار التقسيم الأممي، وولادة مأساة اللاجئين الفلسطينيين التي باتت قلب المأساة وأيقونتها.

لم تمضِ سنوات حتى وقعت حرب 1956، حين تحالفت إسرائيل مع بريطانيا وفرنسا في عدوان ثلاثي على مصر، رداً على قرار عبد الناصر تأميم قناة السويس. وبينما حقق التحالف مكاسب عسكرية، جاءت الضغوط الدولية (خاصة الأمريكية والسوفيتية) لتفرض الانسحاب، وتحول الهزيمة إلى نصر سياسي عزز من مكانة مصر الناصرية.

لكن التحول الحقيقي وقع في حرب 1967، أو “النكسة”. في ستة أيام فقط، اجتاحت إسرائيل أراضي عربية واسعة: سيناء وقطاع غزة من مصر، والضفة الغربية والقدس الشرقية من الأردن، ومرتفعات الجولان من سوريا. لم تكن مجرد هزيمة عسكرية، بل زلزال جيوسياسي أعاد رسم خريطة الشرق الأوسط، وأطلق شرارة “حرب الاستنزاف” التي خاضتها مصر بين عامي 1967 و1970، في محاولة لإرهاق الجيش الإسرائيلي على جبهة قناة السويس.

ثم جاء الرد الكبير في حرب أكتوبر 1973. في لحظة مفصلية، شنت مصر وسوريا هجوماً مباغتاً على القوات الإسرائيلية، حطم أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”. ورغم أن إسرائيل استعادت زمام المبادرة لاحقاً، إلا أن العرب كسبوا معركة الإرادة والكرامة، ومهدوا الطريق لأول اتفاق سلام عربي إسرائيلي. فكان اتفاق كامب ديفيد 1978 تتويجاً لذلك الانتصار الاستراتيجي، وعودةً لسيناء إلى السيادة المصرية، لكن بثمن سياسي كبير: خروج مصر من معادلة الحرب.

وطيلة هذه الحروب العربية وقبل ظهور الحركات السياسية الشيعية، كان يوجد في العالم العربي جموع من المدافعين عن إسرائيل، وينتقدون الزعامات العربية التي تعلن العداء لإسرائيل.

المرحلة الثانية: عصر المقاومات والحروب غير المتكافئة 1982
مع توقيع السلام المصري الإسرائيلي، تغيرت ملامح الصراع. فغزو إسرائيل للبنان عام 1982 لم يكن ضد جيش نظامي، بل ضد منظمة التحرير الفلسطينية، التي أُجبرت على الخروج من بيروت. لكن الفراغ الذي خلفته المنظمة لم يتركه السكون، بل ملأته مقاومة أشد تنظيماً وأكثر جذرية: “حزب الله”.

هكذا، دخلنا عصر الحروب غير المتكافئة. ولم تعد الحروب تجري بين دول تمتلك دبابات وسلاح جو، بل بين جيش نظامي هو الأقوى في المنطقة، وحركات مقاومة محلية تتقن حرب العصابات، وتستند إلى دعم شعبي، ونسيج اجتماعي لا يمكن عزله بالقوة.

من حرب تموز 2006 في لبنان، إلى الحروب المتكررة على غزة (2008، 2012، 2014، 2021)، ظهر هذا التحول بوضوح. لم تعد الحرب تُقاس بعدد الكيلومترات التي تُحتل، بل بقدرة المقاومة على الصمود، وفرض معادلات ردع تمنع العدو من تحقيق نصر سياسي أو عسكري نهائي.

وبين تلك الحروب، اشتعلت الانتفاضات الفلسطينية، الأولى في عام 1987، والثانية عام 2000، لتضيف بعداً شعبياً عفوياً إلى الصراع، يجعل من كل حجر مقلاعاً في وجه آلة الاحتلال.

والتاريخ يعيد نفسه، ولكن هذه المرة انتقلت الجموع التي كانت تهاجم الزعامات العربية المناهضة لإسرائيل، إلى جموع تهاجم المقاومة إن كانت سنية أو شيعية تناهض إسرائيل.

هكذا تغير الصراع العربي الإسرائيلي: من جبهات وجيوش وخرائط، إلى أزقة وحارات ومعادلات ردع. لم تعد الحروب تهدف إلى اجتياح أرض أو إسقاط نظام، بل إلى إدارة حالة اشتباك مستمرة، تبقي الاحتلال متفوقاً عسكرياً، لكنه عاجز سياسياً عن الحسم.

واليوم تحلم إسرائيل بالقضاء على النظام في إيران كما حصل مع مصر، ومع ذلك تنهي حركات المقاومة وهذا ما قاله نتنياهو اليوم: “إن سقوط النظام الإيراني سيؤدي إلى انهيار كل أشكال الدعم الذي تتلقاه حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، مما سيسهم في استعادة الإسرائيليين المخطوفين”.

وتعتقد إسرائيل أنه بعد القضاء على الجيوش العربية النظامية المناهضة لها، وتحول الصراع إلى صراع مقاومات، فإنه مع إنهاء حركات المقاومة، ستكون إسرائيل بعد فترة أمام مناهضة فردية وهذه المناهضة لا تشكل أي خطر على إسرائيل.

إنه صراعٌ لم يعد له بداية محددة ولا نهاية واضحة، لكنه يظل مرآة لانكساراتنا، ولعجزنا عن التحول من الرفض العاطفي إلى الفعل السياسي البناء. فهل يبقى التاريخ يعيد نفسه، أم آن لنا أن نكسره، ونكتبه بأيدينا؟

هزيمة إيران تعني انتهاء زمن المقاومة، لذلك إسرائيل وأمريكا تعلمان أنهما ذاهبان لجر المنطقة إلى المعركة الأخيرة.