الجمعة - 15 مايو 2026
منذ 11 شهر
الجمعة - 15 مايو 2026

كوثر العزاوي ||

 

 

إنهم لا يرحلون كما يرحل الآخرون، بل يسكنون قلب الزمان، يواصلون تأثيرهم بعد الرحيل، وغالبًا بعمقٍ أشدّ مما فعلوه في حياتهم.

فإن يسألوك عن رجلٍ اسمه “روح الله” فقل: هو أبرز صنّاع التاريخ في القرن العشرين، وما شهد التاريخ له نظيرًا في الثورة والنهضة.

ذلك الخمينيّ الذي فجّر ثورةً، وقلَبَ نظامًا طاغوتيًا، ولم يملك من عِدّة الثورة إلا توكّله على الله، وعزيمته المتصلة بالسماء، نهض واستنهض الملايين، بيدٍ بيضاء كبياض تأريخه، وروح تتوهّج عزمًا مِن خالقه، فكان التسبيح سلاحَهُ، وصلاته دليله، ورضا الله غايتهُ.

لم يحتج في إسقاط إمبراطورية بهلوية كان عمرها قرونًا، سوى صدق الإرتباط بالخالق، والثقة بوعده سبحانه، والإتكاء على ثُلّةٍ مخلصةٍ لنهج آل محمد “عليهم السلام” آمنوا بضرورة التغيير، ليعلنها ثورة غيّرت وجهَ التأريخ، وقلبت الطاولة، وأعادت رسمَ المعادلة، وكانت بداية وعيٍ لايُطفَأ.

فكان “لروح الله” قبس من نور رسول الله “صلى الله عليه وآله”، ونفحة من حكمة عليٍّ “عليه السلام” وجرعة صبر من الحسن “عليه السلام” وجذوة من عزم الحسين “عليه السلام” وشجاعة تقف على حدود المعجزة!.

أقبل على الثورة متسلّحًا بالشرف،
وأدوات النزاهة والاستقامة، معرِضًا عن جاذبات الدنيا وزخارفها، نائيًا بنفسهِ عن كل مصلحة.
فكان مشروعه الحضاري الإلهي تجسيدًا حيًّا لقيم الإسلام وشرائعه،
الهدف منه إنقاذ المستضعفين مما كانوا عليه من تخلّف واستغلال، وكبت الحريات، ومصادرة الحقوق.

كان يؤمن أن الإسلام رسالة تحرُّر، ومشروع مقاومةٍ ضد أشكال الاستعمار، والفساد، والتبعية، والانحلال.
وبانتصار ثورته المباركة، بعثَ الأمل في نفوس المحرومين والمظلومين،
ليُعلَن الإمام الخمينيّ، ميلاد نظامٍ مستقلّ، يعيد للأمة كرامتها، ويمنح المستضعفين في العالم، ثقةً بأن للإسلام كلمة، وللشعوب خيار، وللقيم ميدان.
وكان لشعار ثورته وقعٌ مدوٍّ في العالم:
“لا شرقية لا غربية، جمهورية إسلامية” تضمن للناس صلاح عيشهم وفق قوانين السماء.

فكان يوم انتصار الثورة في إيران هو انتصار العالَم الإسلامي.
انتصارًا للضمير الإسلامي، وبدايةً لتحوّلٍ عميقٍ في وعي الأمة، كما كان يومًا من أيام الله، يومًا كتبَ فيه روح الله دستورًا من ضوء، على هدي سيرة المعصومين، لا تشوبه شهوة سلطة، ولا تلوّثه مصالح.
وقد شهد له بذلك كبار أهل الفكر والفقه، وعلى رأسهم المفكّر الشهيد محمد باقر الصدر “رضوان الله عليه”، حينما قال:
“كنّا نسمع في التاريخ كيف ينتصر الإيمان على السيف، وكنّا نؤمن بذلك غيبًا، أمّا اليوم، فقد جسّد الإمام الخمينيّ كلّ ذلك عمليًّا.”

سلامٌ على روحه التي لم تزل تُلهم الأحرار، في حياته وبعد مماته،
طاب ثراه.

٨-ذو الحجة-١٤٤٦هــ
٥-حزيران-٢٠٢٥م